لبن الفحل ولدًا له، فأَنْ لا يُحرِّموا عليه امرأته ولا على الرِّضيع امرأةَ الفحل بطريق الأولى، فعلى قول هؤلاء فلا يحرم على المرأة أبو زوجها من الرَّضاعة، ولا ابنه من الرَّضاعة١.
فإن قيل: هؤلاء لم يُثبتوا البنوَّة بين المرتضع وبين الفحل فلم تثبت المصاهرة؛ لأنَّها فرع ثبوت بنوَّة الرَّضاع، فإذا لم تَثبتْ لم تثبت فروعها٢، وأمَّا من أثبت بنوَّة الرَّضاع من جهة الفحل كما دلَّت عليه السُّنَّة الصَّحيحة الصَّريحة وقال به جمهور أهل الإسلام، فإنَّه يُثبِت المصاهرةَ بهذه البنوَّة، فهل قال أحدٌ ممَّن ذهب إلى التَّحريم بلبن الفحل: إنَّ زوجة أبيه وابنه من الرَّضاعة لا تحرم؟
قيل: المقصود أنَّ في تحريم هذه نزاعًا، وأنَّه ليس مجمعًا عليه، وبقي النَّظر في مأخذه، هل هو إلغاء لبن الفحل وأنَّه لا تأثير له، أو إلغاء المصاهرة من جهة الرَّضاع وأنها لا تأثير لها، وإنَّما التَّأثير لمصاهرة النَّسب؟
ولا شكَّ أنَّ المأخذ الأوَّل باطلٌ؛ لثبوت السُّنَّة الصَّريحة بالتَّحريم بلبن الفحل، وقد بيَّنَّا أنَّه لا يلزم من القول بالتَّحريم به إثباتُ المصاهرة به إلا بالقياس، وقد تقدَّم أنَّ الفارق بين الأصل والفرع أضعافُ أضعافِ الجامع، وأنَّه لا يلزم من ثبوت حكمٍ من أحكام النَّسب ثبوتُ حكمٍ آخر.
ويدلُّ على هذا أيضًا أنَّه سبحانه لم يجعل أمَّ الرَّضاع وأخت الرَّضاعة داخلةً تحت أمَّهاتنا وأخواتنا، فإنَّه سبحانه قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ
(١) «ولا ابنه من الرضاعة» ساقطة من د.
(٢) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «فرعها».
وَبَنَاتُكُمْ١ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ ثمَّ قال: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾[النساء: ٢٣]، فدلَّ على أنَّ لفظ «أمَّهاتنا» عند الإطلاق إنَّما يراد به الأمُّ من النَّسب. وإذا ثبت هذا فقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾[النساء: ٢٣] مثل قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ﴾ إنَّما هنَّ أمَّهات نسائنا من النَّسب، فلا يتناول أمَّهاتهنَّ من الرَّضاعة، ولو أريد تحريمهنَّ لقال: «وأمَّهاتهنَّ اللَّاتي أرضعنهنَّ» كما ذكر ذلك في أمَّهاتنا. وقد بيَّنَّا أنَّ قوله: «يحرم من الرَّضاع ما يحرم من النَّسب» إنَّما يدلُّ على أنَّ من حَرُم على الرَّجل من النَّسب حَرُم عليه نظيره من الرَّضاعة، ولا يدلُّ على أنَّ من حرم عليه بالصِّهر أو بالجمع حرم عليه نظيره من الرَّضاعة، بل يدلُّ مفهومه على خلاف ذلك مع عموم قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾[النساء: ٢٤].
وممَّا يدلُّ على أنَّ تحريم امرأة أبيه وابنه من الرَّضاع ليس مسألة إجماعٍ: أنَّه قد ثبت عن جماعةٍ من السَّلف جوازُ نكاح بنت امرأته إذا لم تكن في حجره، كما صحَّ عن مالك بن أوس بن الحَدَثان النَّصْريِّ قال: كانت عندي امرأةٌ قد ولدتْ لي فتوفِّيتْ فوجدتُ عليها، فلقيتُ عليَّ بن أبي طالبٍ فقال لي: ما لك؟ قلت: توفِّيت المرأة، قال: لها ابنةٌ؟ قلت: نعم، قال: كانت في حجرك؟ قلت: لا، هي في الطَّائف. قال: فانكِحْها، قلت: فأين قوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾[النساء: ٢٣]؟ قال: إنَّها لم تكن في حجرك، وإنَّما ذلك إذا كانت في حجرك٢.
(١) «وبناتكم» ليست في النسخ.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٠٨٣٤)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٣/ ٩١٢)، وقوَّى ابنُ كثير إسناده في «التفسير» (٢/ ٢٥٢)، وصححه ابن حجر في «الفتح» (٩/ ١٥٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٤٧٤).