زاد المعاد

فإذا لم يثبت الأصل فكيف يثبت فرعه؟ بخلاف الأبوَّة والأمومة فإنَّهما أصلان لا يلزم من انتفاء أحدهما انتفاء الآخر.

وعلى هذا مسألة: ما لو كان لرجلٍ أمٌّ وأختٌ وابنةٌ وزوجةُ ابنٍ، فأرضعن طفلةً كلُّ واحدةٍ منهنَّ رضعةً، لم تَصِرْ واحدةٌ منهنَّ أمَّها. وهل تَحرُم على الرَّجل؟ على وجهين، وجههما١: ما تقدَّم. والتَّحريم هاهنا بعيدٌ؛ فإنَّ هذا اللَّبن الذي كمل للطِّفل لا يجعل الرَّجلَ أبًا له ولا جدًّا ولا أخًا ولا خالًا، والله أعلم.

فصل

وقد دلَّ التَّحريم بلبن الفحل على تحريم المخلوقة من ماء الزَّاني دلالةَ الأولى والأحرى؛ لأنَّه إذا حرم عليه أن ينكح من قد تغذَّت بلبنٍ ثارَ بوطئه، فكيف يحلُّ له أن ينكح من قد خُلِق من نفس مائه بوطئه؟ وكيف يُحرِّم الشَّارع بنته من الرَّضاع لما فيها من لبنٍ كان وطءُ الرَّجل سببًا فيه، ثمَّ يُبيح له نكاحَ من خُلِقت بنفس وطئه ومائه؟ هذا من المستحيل؛ فإنَّ البعضيَّة الَّتي بينه وبين المخلوقة من مائه أكملُ وأتمُّ من البعضيَّة الَّتي بينه وبين مَن تغذَّتْ بلبنه، فإنَّ بنت الرَّضاع فيها جزءٌ ما من البعضيَّة، والمخلوقة من مائه كاسمها مخلوقةٌ من مائه، فنصفُها أو أكثرُها بعضه قطعًا، والشَّطر الآخر للأمِّ. وهذا قول جمهور المسلمين، ولا يُعرف في الصَّحابة من أباحها، ونصَّ الإمام أحمد على أنَّ من تزوَّجها قُتِل بالسَّيف، مُحصَنًا كان أو غيرَه.

  1. (١) في المطبوع: «أوجههما» خلاف النسخ.
177

وإذا كانت بنته من الرَّضاعة بنتًا في حكمينِ فقط: الحرمة، والمحرميَّة، وتخلُّف سائرِ أحكام البنت عنها لم يُخرِجْها عن التَّحريم ويُوجِبْ حلَّها، فهكذا بنتُه من الزنا تكون بنتًا في التَّحريم، وتخلُّفُ أحكامِ البنت عنها لا يُوجِب حلَّها. والله سبحانه خاطب العرب بما تَعقِله في لغاتها، ولفظ «البنت» لفظٌ١ لغويٌّ لم ينقله الشَّارع عن موضوعه٢ الأصليِّ، كلفظ الصَّلاة والإيمان ونحوهما، فيُحمَل على موضوعه اللُّغويِّ حتَّى يثبت نقلُ الشَّارع له عنه إلى غيره، فلفظ البنت كلفظ الأخ والعمِّ والخال ألفاظٌ باقيةٌ على موضوعاتها اللُّغويَّة. وقد ثبت في «الصَّحيح»٣ أنَّ الله سبحانه أنطقَ ابنَ الرَّاعي الزَّاني بقوله: «أبي فلانٌ الرَّاعي»، وهذا الإنطاق لا يحتمل الكذب. وأجمعت الأمَّة على تحريم أمِّه عليه. وخلقُه من مائها وماء الزَّاني خلقٌ واحدٌ، وإثمهما فيه سواءٌ، وكونه بعضًا لها مثل كونه بعضًا له، وانقطاع الإرث بين الزَّاني والبنت لا يوجب جوازَ نكاحها.

ثمَّ من العجب كيف يُحرِّم صاحب هذا القول أن يستمني الإنسان بيده، ويقول: هو نكاحٌ لِيَدِه، ويُجوِّز للإنسان أن ينكح بعضَه، ثمَّ يُجوِّز له أن يستفرش بعضَه الذي خلقه الله من مائه وأخرجه من صلبه، كما يستفرش الأجنبيَّة!

فصل

والحكم الثَّالث: أنَّه لا تُحرِّم المصَّة والمصَّتان، كما نصَّ عليه رسول الله

  1. (١) «لفظ» ليست في د.
  2. (٢) في المطبوع: «موضعه» خلاف النسخ.
  3. (٣) أخرجه البخاري (٣٤٣٦)، ومسلم (٢٥٥٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
178

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي