ﷺ، ولا يُحرِّم إلا خمسُ رضعاتٍ. وهذا موضعٌ اختلف فيه العلماء:
فأثبتت طائفةٌ من السَّلف والخلف التَّحريمَ بقليل الرَّضاع وكثيره، وهذا يُروى عن علي١ وابن عبَّاسٍ٢، وهو قول سعيد بن المسيِّب٣، والحسن، والزُّهريِّ، وقتادة٤، والحكم، وحماد٥، والأوزاعيِّ، والثَّوريِّ٦، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، وزعم اللَّيث بن سعدٍ٧ أنَّ المسلمين أجمعوا على أنَّ قليل الرَّضاع وكثيره يُحرِّم في المهد ما يفطر به الصَّائم، وهذا روايةٌ عن الإمام أحمد.
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٣٩٢٤)، وابن أبي شيبة (١٧٣١١)، وأبو يعلى (٤٧١٠)، والنسائي (٣٣١١)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (١١/ ٤٩٢)، والدارقطني (٥/ ٣٠٢).
(٢) أخرجه مالك (١٧٦٥)، وابن أبي شيبة (١٧٣١٣، ١٧٣١٦).
(٣) أخرجه مالك (١٧٧١) ــ ومن طريقه الطحاوي في «مشكل الآثار» (١١/ ٤٨٥) ــ وعبد الرزاق (١٣٩٢١)، وأخرجه الدارقطني من طريق أخرى في «سننه» (٥/ ٣٠٥).
(٤) أخرجها عبد الرزاق (١٣٩٢٣) عنهم. وفيه: (عن معمر عن الزهري وقتادة عمن سمع الحسن قالوا في الرضاع ...).
(٥) أخرجه عن الحكم وحماد ابنُ أبي شيبة (١٧٣١٥).
(٦) كما في «سنن الترمذي» عقب حديث (١١٥٠)، و«المحلى» لابن حزم (١٠/ ١٢) عنهما.
(٧) كما في «المغني» (١١/ ٣١٠).
وقالت طائفةٌ أخرى: لا يثبت التَّحريم بأقلَّ من ثلاث رضعاتٍ، وهذا قول أبي ثورٍ وأبي عبيد وابن المنذر وداود بن علي١، وهو روايةٌ ثانيةٌ عن أحمد.
وقالت طائفةٌ أخرى: لا يثبت بأقلَّ من خمس رضعاتٍ، وهذا قول عبد الله بن مسعودٍ٢، وعبد الله بن الزُّبير٣، وعطاء وطاوسٍ٤، وهو إحدى الرِّوايات الثَّلاث عن عائشة٥، والرِّواية الثَّانية عنها: أنَّه لا يُحرِّم أقلُّ من سبعٍ٦، والثَّالثة: لا يُحرِّم أقلُّ من عشرٍ٧. والقول بالخمس مذهب الشَّافعيِّ، وأحمد في ظاهر مذهبه، وهو قول ابن حزمٍ، وخالف داودَ في هذه المسألة.
فحجَّة الأوَّلين أنَّه سبحانه علَّق التَّحريم باسم الرَّضاعة، فحيث وُجِد اسمها وُجِد حكمها، والنَّبيُّ ﷺ قال: «يَحْرُم من الرَّضاعة ما يَحْرُم من النَّسب»٨، وهذا موافقٌ لإطلاق القرآن.
(١) كما في «المغني» (١١/ ٣١٠، ٣١١).
(٢) لم أقف عليه مسندًا، ونقله عنه ابن قدامة في «المغني» (١١/ ٣١٠).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٣٩٢٠، ١٣٩٢٢).
(٤) لم أقف عليهما مسندًا، ونقله عنهما العمراني في «البيان» (١١/ ١٤٤)، وابن قدامة في «المغني» (١١/ ٣١٠) وغيرهما.
(٥) أخرجه عبد الرزاق (١٣٩١٢، ١٣٩١٣).
(٦) أخرجه عبد الرزاق (١٣٩٢١)، وله طريق أخرى أخرجها النسائي في «السنن الكبرى» (٥٤٢٩)، وابن حزم في «المحلى» (١٠/ ١٠) عن هشام الدستوائي عن قتادة عن صالح أبي الخليل عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن الزبير عن عائشة، وتكلم عليه النسائي عقب الحديث.
(٧) أخرجه مالك (١٧٦٨) ــ ومن طريقه الشافعي في «الأم» (٥/ ٢٨) ــ وعبد الرزاق (١٣٩٢٨)، وسعيد بن منصور (٩٦٨)، وابن أبي شيبة (١٧٣١٠).