زاد المعاد

بعموم الآية، ونفينا التَّحريم بما دونها بصريح السُّنَّة. قالوا: ولأنَّ ما يُعتبر فيه العدد والتَّكرار يُعتبر فيه الثَّلاث. قالوا: ولأنَّها أوَّل مراتب الجمع، وقد اعتبرها الشَّارع في مواضع كثيرةٍ جدًّا.

قال أصحاب الخمس: الحجَّة لنا ما تقدَّم في أوَّل الفصل من الأحاديث الصَّحيحة الصَّريحة، وقد أخبرت عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ توفِّي والأمر على ذلك. قالوا: ويكفي في هذا قول النَّبيِّ ﷺ لسهلة بنت سهيل: «أَرضِعي سالمًا خمسَ رضعاتٍ تَحرُمي عليه»١. قالوا: وعائشة أعلم الأمَّة بحكم هذه المسألة هي ونساء النَّبيِّ ﷺ، وكانت عائشة إذا أرادت أن يدخل عليها أحدٌ أمرت إحدى بنات إخوانها أو أخواتها فأرضعتْه خمس رضعاتٍ٢. قالوا: ونفي التَّحريم بالرَّضعة والرَّضعتين صريحٌ في عدم تعليق التَّحريم بقليل الرَّضاع وكثيره، وهي ثلاث٣ أحاديث صحيحة صريحة، بعضها خرج جوابًا للسَّائل، وبعضها تأسيس حكمٍ مبتدأٍ. قالوا: وإذا علَّقنا التَّحريم بالخمس لم نكن قد خالفنا شيئًا من النَّصوص الَّتي استدللتم بها، وإنَّما نكون قد قيَّدنا مطلقَها بالخمس، وتقييد المطلق بيانٌ لا نسخٌ ولا تخصيصٌ. وأمَّا من علَّق التَّحريم بالقليل والكثير فإنَّه يخالف أحاديث نفي التَّحريم بالرَّضعة والرَّضعتين، وأمَّا صاحب الثَّلاث فإنَّه وإن لم يخالفها فهو مخالفٌ لأحاديث الخمس.

  1. (١) أخرجه مسلم (١٤٥٣/ ٢٦)، وقد تقدم (ص ١٦٠).
  2. (٢) أخرجه مالك (١٧٧٥)، وسيأتي.
  3. (٣) كذا في النسخ بتذكير العدد.
182

قال من لم يقيِّده بالخمس: حديث الخمس لم تنقله عائشة نقْلَ الأخبار فيُحتجُّ به، وإنَّما نقلته نقْلَ القرآن، والقرآن إنَّما يثبت بالتَّواتر، والأمَّة لم تنقل ذلك قرآنًا، فلا يكون قرآنًا، وإذا لم يكن قرآنًا ولا خبرًا امتنع إثباتُ الحكم به.

قال أصحاب الخمس: الكلام فيما نُقِل من القرآن آحادًا في فصلين، أحدهما: كونه من القرآن، والثَّاني: وجوب العمل به. ولا ريبَ أنَّهما حكمان متغايران، فإنَّ الأوَّل يوجب انعقادَ الصَّلاة به، وتحريمَ مسِّه على المُحْدِث وقراءتِه على الجنب، وغير ذلك من أحكام القرآن، فإذا انتفت هذه الأحكام لعدم التَّواتر لم يلزم انتفاء العمل به، فإنَّه يكفي فيه الظَّنُّ. وقد احتجَّ كلُّ واحدٍ من الأئمَّة الأربعة به في موضعٍ، فاحتجَّ به الشَّافعيُّ وأحمد في هذا الموضع، واحتجَّ به أبو حنيفة في وجوب التَّتابع في صيام الكفَّارة بقراءة ابن مسعودٍ: «فصيام ثلاثة أيَّامٍ متتابعاتٍ»١. واحتجَّ به مالك والصَّحابة قبله في فرض الواحد من ولد الأمِّ أنَّه السُّدس بقراءة أبيٍّ: «وإن كان رجلٌ يُورَث كلالةً أو امرأةٌ وله أخٌ أو أختٌ من أمٍّ، فلكلِّ واحدٍ منهما السُّدس»٢،

  1. (١) رويت عن ابن مسعود من طرق، أصحها ما أخرجه سعيد بن منصور (٨٠٤ - التفسير) ــ ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (١٠/ ٦٠) ــ، وابن أبي شيبة (١٢٥٠٤)، وابن جرير في «تفسيره» (٨/ ٦٥٢)، وروي من طرق أخرى. وينظر: «مصنف عبد الرزاق» (١٦١٠٢ - ١٦١٠٤).
  2. (٢) هي قراءة سعد بن أبي وقاص، وليست من قراءة أبي، أخرجها سعيد بن منصور (٥٩٢ - التفسير)، وأبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص ٢٩٧)، وابن جرير في «تفسيره» (٦/ ٤٨٣)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٦/ ٢٣١) من طرق عن يعلى بن عطاء عن القاسم بن ربيعة بن قانف عن سعد بن أبي وقاص.
183

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي