وقالت طائفةٌ من السَّلف والخلف: يُحرِّم رضاع الكبير ولو أنَّه شيخٌ، فروى مالك٢ عن ابن شهابٍ أنَّه سئل عن رضاع الكبير، فقال: أخبرني عروة بن الزُّبير بحديث أمر رسول الله ﷺ سهلة بنت سهيل برضاع سالم، ففعلتْ، وكانت تراه ابنًا لها. قال عروة: فأخذتْ بذلك عائشة أم المؤمنين فيمن كانت تحبُّ أن يدخل عليها من الرِّجال٣، فكانت تأمر أختها أمَّ كلثوم وبناتِ أخيها يُرضِعن من أحبَّت أن يدخل عليها من الرِّجال.
وقال عبد الرزاق٤: ثنا ابن جريجٍ، قال: سمعت عطاء بن أبي رباحٍ وسأله رجلٌ فقال: سقتني امرأةٌ٥ من لبنها بعد ما كنتُ رجلًا كبيرًا، أفأنكحها؟ قال عطاء: لا تنكِحْها، فقلت له: وذلك رأيك؟ قال: نعم، كانت عائشة تأمر بذلك بناتِ أخيها.
وهذا قولٌ ثابتٌ عن عائشة ﵂. ويروى عن علي٦ وعروة بن
(١) لم أقف عليه.
(٢) في «الموطأ» (١٧٧٥). وأخرجه أحمد (٢٦٣٣٠)، وأبو داود (٢٠٦١)، وأصله عند البخاري (٥٠٨٨)، ومسلم (١٤٥٣).
(٣) بعدها في ز: «والنساء».
(٤) في «المصنف» (١٣٨٨٣).
(٥) م، ص: «امرأتي».
(٦) أخرجه عبد الرزاق (١٣٨٨٨).
الزُّبير١ وعطاء بن أبي رباحٍ٢، وهو قول اللَّيث بن سعدٍ٣، وأبي محمد بن حزم، قال٤: ورضاع الكبير ولو أنَّه شيخٌ يُحرِّم كما يُحرِّم رضاع الصَّغير، ولا فرقَ.
قال أصحاب الحولين: قال الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾[البقرة: ٢٣٣]، قالوا: فجعل تمام الرَّضاعة حولين، فدلَّ على أنَّه لا حكم لما بعدهما، فلا يتعلَّق به التَّحريم.
قالوا: وهذه المدَّة هي مدَّة المجاعة الَّتي ذكرها رسول الله ﷺ، وقَصَرَ الرَّضاعة المحرِّمة عليها.
قالوا: وهي مدَّة الثَّدي التي قال فيها: «لا رضاعَ إلا ما كان في الثَّدي»٥ أي في زمن الثَّدي، وهذه لغةٌ معروفةٌ، العرب يقولون: فلانٌ مات في الثَّدي، أي في زمن الرَّضاع قبل الفطام، ومنه الحديث المشهور: «إنَّ إبراهيم مات في
(١) تقدم تخريجه قريبًا.
(٢) تقدم تخريجه قريبًا.
(٣) كما في «المحلى» (١٠/ ٢٠).
(٤) في «المحلى» (١٠/ ١٧).
(٥) تقدم تخريجه من حديث أم سلمة عند الترمذي (١١٥٢)، وابن حبان (٤٢٢٤).