هؤلاء: أيُّوب السِّختيانيُّ١، وسفيان الثَّوريُّ٢، وسفيان بن عيينة٣، وشعبة٤، ومالك٥، وابن جريجٍ٦، وشعيب٧، ويونس٨، وجعفر بن ربيعة٩، ومعمر١٠، وسليمان بن بلالٍ١١،
وغيرهم، ثمَّ رواها عن هؤلاء الجمُّ الغفير والعدد الكثير، فهي نقلُ كافَّةٍ لا يختلف مؤالفٌ ولا مخالفٌ في صحَّتها.
فلم يبقَ من الاعتراض إلا قولُ القائل: كان ذلك خاصًّا بسالم، كما قال بعض أزواج رسول الله ﷺ ومن تبعهنَّ في ذلك، فليعلمْ من تعلَّق بهذا أنَّه ظنٌّ ممَّن ظنَّ ذلك منهنَّ ﵅، هكذا في الحديث أنَّهنُّ قلن: ما نرى هذا إلا خاصًّا بسالم، وما ندري لعله رخصةٌ لسالم. فإذْ هو ظنٌّ بلا شكٍّ فإنَّ
(١٠) «مصنف عبد الرزاق» (١٣٨٨٥)، و«مسند أحمد» (٢٥٩١٣)، و«صحيح ابن حبان» (٤٢١٤).
(١١) «سنن النسائي» (٣٢٢١، ٣٢٢٤)، و«صحيح ابن حبان» (٤٢١٣)، و«مستدرك الحاكم» (٤/ ٦٨)، وفي د، ز: «وسلمان» ..
الظَّنَّ لا تُعارَض به السُّننُ الثَّابتة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾[يونس: ٣٦]. وشتَّانَ بين احتجاج أم سلمة ﵂ بظنِّها وبين احتجاج عائشة ﵂ بالسُّنَّة الثَّابتة، ولهذا لمَّا قالت لها عائشة: أما لكِ في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ، سكتت أم سلمة، ولم تَنطِقْ بحرفٍ، وهذا إمَّا رجوعٌ منها١ إلى مذهب عائشة، وإمَّا انقطاعٌ في يدها.
قالوا: وقول سهلة لرسول الله ﷺ: كيف أُرضِعه وهو رجلٌ كبيرٌ؟ بيانٌ جليٌّ أنَّه بعد نزول الآيات المذكورات.
قالوا: ونعلم يقينًا أنَّه لو كان ذلك خاصًّا بسالم لقطعَ النَّبيُّ ﷺ الإلحاقَ، ونصَّ على أنَّه ليس لأحدٍ بعده، كما بيَّن لأبي بُردة بن نِيَارٍ أنَّ جَذَعَتَه تَجزي عنه، ولا تَجزِي عن أحدٍ بعده٢. وأين يقع ذبح جَذَعةٍ أضحيَّةً من هذا الحكم العظيم المتعلِّق به حِلُّ الفرج وتحريمه، وثبوت المَحْرَميَّة، والخلوة بالمرأة والسَّفر بها؟ فمعلومٌ قطعًا أنَّ هذا أولى ببيان التَّخصيص لو كان خاصًّا.
قالوا: وقول النَّبيِّ ﷺ: «إنَّما الرَّضاعة من المَجَاعة»٣ حجَّةٌ لنا؛ لأنَّ شرب الكبير للَّبن يُؤثِّر في دفع مجاعته قطعًا، كما يُؤثِّر في الصَّغير أو قريبًا منه.
فإن قلتم: فما فائدة ذكره إذا كان الكبير والصَّغير فيه سواءً؟
(١) «منها» ليست في المطبوع.
(٢) أخرجه البخاري (٥٥٥٧)، ومسلم (١٩١٦) من حديث البراء بن عازب ﵁.