زاد المعاد

قلنا: فائدته إبطال تعلُّق التَّحريم بالقطرة من اللَّبن، أو المصَّة الواحدة الَّتي لا تُغنِي من جوعٍ، ولا تُنبِت لحمًا، ولا تُنشِر عَظْمًا.

قالوا: وقوله ﷺ: «لا رضاعَ إلا ما كان في الحولين»، و«كان في الثَّدي قبل الفطام»١ ليس بأبلغَ من قوله ﷺ: «لا ربا إلا في النَّسيئة»٢ و«إنَّما الرَّبا في النَّسيئة»٣، ولم يمنع ذلك ثبوتَ ربا الفضل بالأدلَّة الدَّالَّة عليه، فكذا هذا. فأحاديث رسول الله ﷺ وسُننه الثَّابتة كلُّها حقٌّ يجب اتِّباعها، ولا يُضرَب بعضُها ببعضٍ، ولا يُعارَض بعضُها ببعضٍ٤ بل يُستعمل كلٌّ منها على وجهه.

قالوا: وممَّا يدلُّ على ذلك أنَّ عائشة أمَّ المؤمنين، وأفقه نساء الأمَّة هي الَّتي روتْ هذا وهذا. فهي الَّتي روتْ «إنَّما الرَّضاعة من المجاعة»، وروت حديث سهلة وأخذتْ به، فلو كان عندها حديث «إنَّما الرَّضاعة من المجاعة» مخالفًا لحديث سهلة لما ذهبتْ إليه، وتركتْ حديثًا واجهها به رسول الله ﷺ وتغيَّر وجهه، وكره الرَّجل الذي رآه عندها، وقالت: هو أخي.

قالوا: وقد صحَّ عنها أنَّها كانت تُدخِل عليها الكبيرَ إذا أرضعته ــ في حال كِبَرِه ــ أختٌ من أخواتها الرَّضاعَ المحرِّم، ونحن نشهد بشهادة اللَّه، ونقطع قطعًا نلقاه به يوم نَلقاه٥، أنَّ أمَّ المؤمنين لم تكن لِتُبِيح سِتْرَ رسول الله ﷺ

  1. (١) تقدم تخريجهما (ص ١٥٩، ١٥٨) من حديثي ابن عباس وأم سلمة.
  2. (٢) أخرجه البخاري (٢١٧٨) من حديث أسامة بن زيد ﵁.
  3. (٣) هو الحديث السابق نفسه، وهذا لفظ مسلم (١٥٩٦/ ١٠٢).
  4. (٤) «ولا يعارض بعضها ببعض» ليست في المطبوع.
  5. (٥) في المطبوع: «يوم القيامة» خلاف النسخ.
198

بحيث ينتهكه من لا يحلُّ له انتهاكُه، ولم يكن الله ﷿ لِيُبِيحَ ذلك على يد الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق المبرَّأة من فوق سبع سماواتٍ، وقد عصم الله سبحانه ذلك الجنابَ الكريم والحِمى المنيع والشَّرف الرَّفيع أتمَّ عصمةٍ، وصانه أعظمَ صيانةٍ، وتولَّى صيانته وحمايته والذَّبَّ عنه بنفسه ووحيه وكلامه.

قالوا: فنحن نُوقن ونقطع ونَبُتُّ١ الشَّهادة لله بأنَّ فِعْلَ عائشة هو الحقُّ، وأنَّ رضاع الكبير يقع به من التَّحريم والمَحْرميَّة ما يقع برضاع الصَّغير، ويكفينا أمُّنا أفقهُ نساء الأمَّة على الإطلاق، وقد كانت تناظر في ذلك نساءه ﷺ، ولا يُجِبْنَها بغير قولهنِّ: ما أحدٌ داخلًا علينا بتلك الرَّضاعة. ويكفينا في ذلك أنَّه مذهب ابنِ عمِّ نبيِّنا٢ وأعلمِ أهل الأرض على الإطلاق حين كان خليفةً، ومذهب اللَّيث بن سعدٍ الذي شهد له الشَّافعيُّ بأنَّه كان أفقه من مالك إلا أنَّه ضيَّعه أصحابه، ومذهب عطاء بن أبي رباحٍ ذكره عبد الرزاق عن ابن جريجٍ عنه٣. وذكر مالك٤ عن الزُّهريِّ أنَّه سئل عن رضاع الكبير، فاحتجَّ بحديث سهلة بنت سهيل في قصَّة سالمٍ مولى أبي حذيفة. وقال عبد الرزاق٥: وأخبرني ابن جريجٍ، قال: أخبرني عبد الكريم، أنَّ

  1. (١) ز: «نثبت».
  2. (٢) تقدم تخريجه.
  3. (٣) تقدم تخريجه (ص ١٩٢).
  4. (٤) في «الموطأ» (١٧٧٥)، وقد تقدم (ص ١٩١).
  5. (٥) تقدم.
199

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي