زاد المعاد

سالم بن أبي الجعد مولى١ الأشجعي أخبره [أنَّ أباه أخبره]٢، أنَّه سأل عليَّ بن أبي طالبٍ فقال: أردتُ أن أتزوَّج امرأةً قد سَقَتْني من لبنها وأنا كبيرٌ تداويتُ به، فقال له علي: لا تنكِحْها، ونهاه عنها.

فهؤلاء سلفنا في هذه المسألة، وتلك نصوصنا كالشَّمس صحَّةً وصراحةً.

قالوا: وأصرحُ أحاديثكم حديث أم سلمة ترفعه: «لا يُحرِّم من الرَّضاع إلا ما فَتَقَ الأمعاءَ في الثَّدي وكان قبل الفطام»٣، فما أصْرَحَه لو كان سليمًا من العلَّة! لكن هذا حديثٌ منقطعٌ؛ لأنَّه من رواية فاطمة بنت المنذر عن أم سلمة، ولم تسمع منها شيئًا؛ لأنَّها كانت أسنَّ من زوجها هشام باثني عشر عامًا، فكان مولده٤ في سنة ستِّين٥، ومولد فاطمة سنة ثمانٍ وأربعين، وماتت أم سلمة سنة تسعٍ وخمسين، وفاطمة صغيرةٌ لم تَبلُغها، فكيف أن تحفظ عنها؟ ولم تسمع من خالة أبيها شيئًا وهي في حجرها، كما حصل٦ سماعها من جدَّتها أسماء بنت أبي بكر.

قالوا: وإذا نظر العالم المنصف في هذا القول، ووازنَ بينه وبين قول من

  1. (١) في المطبوع: «أبي جعد المولى».
  2. (٢) ما بين المعكوفتين ليس في النسخ. وهو في «المصنّف» (١٣٨٨٨).
  3. (٣) تقدم (ص ١٥٨).
  4. (٤) م، ح، ز، د: «مولدها»، خطأ.
  5. (٥) في «تهذيب التهذيب» (١١/ ٥١): «سنة إحدى وستين». وفي (١٢/ ٤٤٤): «قال هشام بن عروة: كانت أكبر مني بثلاث عشرة سنة».
  6. (٦) مكانها بياض في م، د، ز.
200

يَحُدُّ مدَّة الرَّضاع المحرِّم بخمسةٍ وعشرين شهرًا، أو ستَّةٍ وعشرين أو سبعةٍ وعشرين أو ثلاثين شهرًا، من تلك الأقوال الَّتي لا دليلَ عليها من كتاب اللَّه ولا سنَّة رسوله ولا قولِ أحدٍ من الصَّحابة= تبيَّن له فَصْلُ١ ما بين القولين.

فهذا منتهى أقدام الطَّائفتين في هذه المسألة، ولعلَّ الواقف عليها لم يكن يَخْطِر له أنَّ هذا القول تنتهي قوَّتُه إلى هذا الحدِّ، وأنَّه ليس بأيدي أصحابه قدرةٌ على تقريره وتصحيحه، فاجلِسْ أيُّها العالم المنصف مجلسَ الحكم بين هذين المتنازعينِ، وافصِلْ بينهما بالحجَّة والبيان، لا بالتَّقليد وقال فلان.

واختلف القائلون بالحولين في حديث سهلة هذا على ثلاث مسالك:

أحدها: أنَّه منسوخٌ، وهذا مسلك كثيرٍ منهم، ولم يأتوا على النَّسخ بحجَّةٍ سوى الدَّعوى، فإنَّهم لا يُمكِنهم إثباتُ التَّاريخ المعلوم التَّأخُّر بينه وبين تلك الأحاديث. ولو قَلَبَ أصحاب هذا القول عليهم الدَّعوى، وادَّعوا نسخَ تلك الأحاديث بحديث سهلة، لكانت نظيرَ دعواهم.

وأمَّا قولهم: إنَّها كانت في أوَّل الهجرة حينَ نزولِ قوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، ورواية ابن عبَّاسٍ وأبي هريرة بعد ذلك، فجوابه من وجوهٍ:

أحدها: أنَّهما لم يُصرِّحا بسماعه من النَّبيِّ ﷺ، بل لم يسمع منه ابن عبَّاسٍ إلا دونَ العشرين حديثًا، وسائرها عن الصِّحابة.

الثَّاني: أنَّ نساء النَّبيِّ ﷺ لم يحتجَّ أحدٌ منهنُّ، بل ولا غيرُهنَّ على عائشة بذلك، بل سلكن في الحديث تخصيصَه بسالم، وعدمَ إلحاق غيره به.

  1. (١) في المطبوع: «فضل»، خطأ.
201

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي