زاد المعاد

إنما الرَّضاعة ما كان عددها خمسًا، فيُعبِّر عن هذا المعنى بقوله من المجاعة، وهذا ضدُّ البيان الذي كان عليه ﷺ.

وقولكم: إنَّ الرَّضاعة تَطْرُد الجوع عن الكبير، كما تطردُه عن الصَّغير= كلامٌ باطلٌ، فإنَّه لا يُعهَد ذو لحيةٍ قطُّ يُشبِعه رضاع المرأة ويطرد عنه الجوع، بخلاف الصَّغير فإنَّه ليس له ما يقوم مقام اللَّبن، فهو يطرد عنه الجوع، فالكبير ليس ذا مجاعةٍ إلى اللَّبن أصلًا. والَّذي يُوضِّح هذا أنَّه ﷺ لم يُرِد حقيقة المجاعة، وإنَّما أراد مظنَّتها وزمنَها، ولا شكَّ أنَّه الصِّغر١، فإن أبيتم إلا الظَّاهريَّة، وأنَّه أراد حقيقتها، لزِمكم أن لا يُحرِّم رضاع الكبير إلا إذا ارتضع وهو جائعٌ، فلو ارتضع وهو شبعان لم يُؤثِّر شيئًا.

وأمَّا حديث السِّتر المصون والحرمة العظيمة والحِمى المنيع، فرضي الله عن أمِّ المؤمنين، فإنَّها وإن رأت أنَّ هذا الرَّضاع يثبت المَحْرميَّة، فسائر أزواج النَّبيِّ ﷺ يخالفنها٢ في ذلك، ولا يَرَين دخول هذا السِّتر المصون والحمى الرَّفيع بهذه الرَّضاعة، فهي مسألة اجتهادٍ، وأحد الحزبين مأجورٌ أجرًا واحدًا، والآخر مأجورٌ أجرين، وأسعدهما بالأجرين من أصاب حكم الله ورسوله في هذه الواقعة، فكلٌّ من المُدخِل للسِّتر المصون بهذه الرَّضاعة والمانعِ من الدُّخول فائزٌ بالأجر، مجتهدٌ في مرضاة الله وطاعة رسوله وتنفيذِ حكمه، ولهما أسوةٌ بالنَّبيَّين الكريمين اللَّذين أثنى الله عليهما بالحكمة والحكم، وخَصَّ بفهم الحكومة أحدَهما.

  1. (١) ز: «الصغير».
  2. (٢) ص، د، ز، ح: «يخالفها».
205

فصل

وأمَّا ردُّكم لحديث أم سلمة فتعسُّفٌ باردٌ، فلا يلزم انقطاع الحديث من أجل أنَّ فاطمة بنت المنذر لقيت أم سلمة صغيرةً، فقد يَعقل الصَّغير جدًّا أشياء ويحفظها، وقد عَقلَ محمود بن الرَّبيع المَجَّةَ وهو ابن سبع سنين١، ويعقل أصغر منه.

وقد قلتم: إنَّ فاطمة كانت وقتَ وفاة أم سلمة بنتَ إحدى عشرة سنةً، وهذا سنٌّ جيِّدٌ، لا سيَّما للمرأة، فإنه٢ يصلح فيه للزَّوج، فمن هي في حدِّ الزَّواج كيف يقال: إنَّها لا تَعقِل ما تسمع، ولا تدري ما تتحدَّثُ٣ به؟ هذا هو الباطل الذي لا تُرَدُّ به السُّنن، مع أنَّ أم سلمة كانت مصادقةً لجدَّتها أسماء، وكانت دارهما واحدةً، فنشأت فاطمة هذه في حجر جدَّتها أسماء مع خالة أبيها عائشة وأم سلمة، وماتت عائشة سنة سبعٍ وخمسين، وقيل: سنة ثمانٍ، وقد يمكن سماع فاطمة منها. وأمَّا جدَّتها أسماء فماتت سنة ثلاثٍ وسبعين، وفاطمة إذ ذاك بنت خمسٍ وعشرين سنةً، فلذلك كثر سماعها منها.

وقد أفتت أم سلمة بمثل الحديث الذي روته سواء٤، فقال أبو عبيد: ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب،

  1. (١) أخرجه البخاري (٧٧) بلفظ: «وأنا ابن خمس سنين»، وقد تقدم (ص ٦٤) على الصواب، وهو عند مسلم (٣٣) دون ذِكر السن.
  2. (٢) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «فإنها».
  3. (٣) ص، د، ز: «تحدّث».
  4. (٤) في المطبوع: «أسماء» خلاف النسخ.
206

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي