الثَّالث: أنَّه لو لم تأتِ السُّنَّة الصَّريحة باعتبار الحمل، ولم تكن آية الطَّلاق متأخِّرةً، لكان تقديمها هو الواجب، لِما قرَّرناه أوَّلًا من جهات العموم الثَّلاثة فيها، وإطلاق قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾، وقد كانت الحوالة على هذا الفهم ممكنةً، ولكن لغموضه ودقَّته على كثيرٍ من النَّاس، أحيل في ذلك الحكم على بيان السُّنَّة، وباللَّه التَّوفيق.
فصل
ودلَّ قوله سبحانه: ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ على أنَّها إذا كانت حاملًا بتَوْأمينِ لم تنقضِ العدَّة حتَّى تضعهما جميعًا، ودلَّت على أنَّ من عليها الاستبراء، فعدَّتها وضع الحمل أيضًا، ودلَّت على أنَّ العدَّة تنقضي بوضعه على أيِّ صفةٍ كان حيًّا أو ميِّتًا، تامَّ الخِلقة أو ناقصَها، نُفِخ فيه الرُّوح أو لم يُنفَخ.
ودلَّ قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ على الاكتفاء بذلك وإن لم تحض، وهذا قول الجمهور. وقال مالك: إذا كان عادتها أن تحيض في كلِّ سنةٍ مرَّةً، فتوفِّي عنها زوجها، لم تنقض عدَّتها حتَّى تحيض حيضتَها، فتبرأ من عدَّتها. فإن لم تحض انتظرتْ تمامَ تسعة أشهرٍ من يوم وفاة زوجها. وعنه روايةٌ ثانيةٌ كقول الجمهور، أنَّه تعتدُّ أربعة أشهرٍ وعشرًا، ولا تنتظر حيضها.
فصل
ومن ذلك اختلافهم في الأقراء، هل هي الحيض أو الأطهار؟ فقال أكابر
الصَّحابة: إنَّها الحيض. هذا قول أبي بكر١، وعمر٢، وعثمان٣، وعلي٤، وابن مسعودٍ٥، وأبي موسى٦، وعبادة بن الصَّامت٧، وأبي الدَّرداء٨، وابن عبَّاسٍ٩، ومعاذ بن جبلٍ١٠.
وهو قول أصحاب
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٩٢٣٠) من طريق عبد الله الكلاعي عن مكحول، وذكر عددًا من الصحابة منهم أبو بكر، ومكحول لم يسمع من أبي بكر، ويرسل كثيرًا عمن لم يلقه من الصحابة.
(٢) أخرجه عبد الرزاق من طرق عن عمر (١٠٩٨٥، ١٠٩٨٦، ١٠٩٨٨ - ١٠٩٩٠)، وابن أبي شيبة (١٩٢٢٦ - ١٩٢٢٨)، وينظر: «السنن الكبرى» للبيهقي (٧/ ٤١٥).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٠٩٨٧)، ومن طريقه الطبراني في «الكبير» (٩/ ٣٢٣).
(٤) أخرجه الشافعي في «الأم» (٦/ ٤٥٥) ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٤١٧)، وابن أبي شيبة (١٩٠٧٠، ١٩٢٣٢).
(٥) أخرجه عبد الرزاق (١٠٩٨٧)، ومن طريقه الطبراني في «الكبير» (٩/ ٣٢٣)، وروي عن عمر أيضًا كما عند عبد الرزاق (١٠٩٨٨ - ١٠٩٩٠)، وابن أبي شيبة (١٩٢٢٦ - ١٩٢٢٨).
(٦) أخرجه عبد الرزاق (١٠٩٨٧)، وأخرجه ابن أبي شيبة (١٩٢٢٩) من طريق آخر مختصرًا.
(٧) أخرجه عبد الرزاق (١١٠٠٠)، وفي إسناده عمر بن راشد، وهو ضعيف. وأخرجه ابن أبي شيبة (١٩٢٣٠) عن مكحول عن عبادة، ومكحول لم يسمع من عبادة، وتقدم أنه كثير الإرسال عمن لم يلقه من الصحابة.
(٨) أخرجه عبد الرزاق (١١٠٠٢) عن عمر بن راشد عن مكحول، وعمر بن راشد ضعيف كما تقدم، وأخرجه ابن أبي شيبة (١٩٢٣٠) من طريق آخر عن مكحول عن أبي الدرداء. وتقدم الكلام في إرسال مكحول.
(٩) أخرجه ابن جرير الطبري في «تفسيره» (٤/ ٨٨)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٤١٥) من طريق ابن جريج عن عطاء الخرساني عن ابن عباس، وعطاء لم يلق ابن عباس، وابن جريج لم يسمع التفسير من عطاء.