على الجوربين والنعلين. ومسح على العمامة مقتصرًا عليها ومع الناصية، وثبت ذلك عنه فعلًا وأمرًا في عدَّة أحاديث، لكن هي قضايا أعيان يحتمل أن تكون خاصَّةً بحال الحاجة والضرورة، وتحتمل العموم كالخفَّين، وهو أظهر. والله أعلم.
ولم يكن يتكلَّف١ ضدَّ حاله التي عليها قدماه، بل إن كانتا في الخفِّ مسَح عليهما ولم ينزعهما. وإن كانتا مكشوفتين غسَل القدمين، ولم يلبس الخفَّ ليمسح عليه. وهذا أعدل الأقوال في مسألة الأفضل من المسح والغسل، قاله شيخنا٢. والله أعلم.
فصل
في هديه في التيمم
كان ﷺ يتيمَّم بضربة واحدة للوجه والكفَّين٣. ولم يصحَّ عنه أنه تيمَّم بضربتين، ولا إلى المرفقين. قال الإمام أحمد: من قال: التيمُّمُ٤ إلى
(٣) رواه أحمد (١٨٣١٩) وأبو داود (٣٢٧) والترمذي (١٤٤) من حديث عمار بن ياسر، صححه الترمذي وابن خزيمة (٢٦٦) وابن حبان (١٣٠٣).
(٤) ك: «إن التيمم».
المرفقين فإنما هو شيء زاده من عنده١.
وكذلك كان يتيمَّم بالأرض التي يصلي عليها، ترابًا كانت أو سَبَخةً٢ أو رملًا. وصحَّ عنه أنه قال: «حيثما أدركَتْ رجلًا من أمتي الصلاةُ، فعنده مسجده وطَهوره»٣. وهذا نصٌّ صريحٌ في أنَّ من أدركته الصلاة في الرمل فالرملُ له طهور. ولمَّا سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك قطعوا تلك الرِّمالَ في طريقهم وماؤهم في غاية القلَّة، ولم يُرْوَ عنه أنه حمل معه التُّرابَ ولا أمَر به، ولا فعَله أحد من أصحابه، مع القطع بأنَّ في المفاوز الرِّمالَ أكثر من التراب، وكذلك أرضُ الحجاز٤ وغيره. ومن تدبَّر هذا قطَع بأنه كان يتيمَّم بالرمل، والله أعلم. وهذا قول الجمهور.
وأما ما ذُكِر في صفة التيمُّم من وضع بطون أصابع يده اليسرى على ظهور اليمنى، ثم إمرارها إلى المرفق، ثم إدارة بطن الكفِّ على بطن الذراع وإقامة إبهام اليسرى كالمؤذن إلى أن يصل إلى إبهام اليمنى فيطبقها عليها= فهذا ما٥ يُعلَم قطعًا أن النبي ﷺ لم يفعله، ولا علَّمه أحدًا من أصحابه، ولا أمرَ به، ولا استحبَّه. وهذا هديه، إليه التحاكم.
(١) الذي في رواية الأثرم كما في «المغني» (١/ ٢٧٨): «من قال: ضربتين، فإنما هو شيء زاده».
(٢) هي الأرض التي تعلوها الملوحة.
(٣) أخرجه أحمد (٢٢١٣٧، ٢٢٢٠٩) والطبراني (٨/ ٢٥٧) من حديث أبي أمامة الباهلي، في إسناده لين. ويشهد له ما أخرجه البخاري (٣٣٥، ٤٣٨) ومسلم (٥٢١) من حديث جابر بن عبد الله.