فهؤلاء بضعة عشر من الصَّحابة، وهو قول سعيد بن المسيِّب وسفيان الثَّوريِّ وإسحاق بن راهويه. قال شريك: له الرَّجعة وإن فرَّطتْ في الغسل عشرين سنةً. وهذا إحدى الرِّوايات عن الإمام أحمد.
والثَّاني: أنَّ العدة تنقضي بمجرَّد طهرها من الحيضة الثَّالثة، ولا تقف على الغسل. وهذا قول سعيد بن جبيرٍ، والأوزاعيِّ، والشَّافعيِّ في قوله القديم حيث كان يقول: الأقراء: الحيض. وهو إحدى الرِّوايات عن الإمام أحمد اختارها أبو الخطاب١.
والثَّالث: أنَّها في عدَّتها بعد انقطاع الدَّم، ولزوجها رجعتها حتَّى يمضي٢ عليها وقت الصَّلاة الَّتي طهرت في وقتها. وهذا قول الثَّوريِّ، والرِّواية الثَّالثة عن أحمد، حكاها أبو بكر عنه. وهو قول أبي حنيفة، لكن إذا انقطع الدَّم لأقلِّ الحيض، وإن انقطع لأكثره انقضت العدَّة عنه٣ بمجرَّد انقطاعه.
وأمَّا من قال: إنَّها الأطهار، اختلفوا في موضعين:
أحدهما: هل يُشترط كون الطُّهر مسبوقًا بدمٍ قبله، أو لا يشترط ذلك؟ على قولين لهم، وهما وجهان في مذهب الشَّافعيِّ وأحمد:
أحدهما: يُحتسب؛ لأنَّه طهرٌ بعده حيضٌ، فكان قرءًا، كما لو كان قبله
(١) كما في «المغني» (١١/ ٢٠٥).
(٢) ص، د: «يحصي»، تحريف.
(٣) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «عنها». وليست في «المغني» (١١/ ٢٠٤)، وهو المصدر الذي نقل منه المؤلف.
حيضٌ.
والثَّاني: لا يُحتسب، وهو ظاهر نصِّ الشَّافعيِّ في الجديد؛ لأنَّها لا تسمَّى من ذوات الأقراء إلا إذا رأت الدَّم.
الموضع الثَّاني: هل تنقضي العدَّة بالطَّعن في الحيضة الثَّالثة [أو لا تنقضي]١ حتَّى تحيض يومًا وليلةً؟ على وجهين لأصحاب أحمد، وهما قولان منصوصان للشَّافعيِّ، ولأصحابه وجهٌ ثالثٌ: إن حاضت للعادة٢، انقضت العدَّة بالطَّعن في الحيضة. وإن حاضت لغير العادة ــ بأن كانت عادتها ترى الدَّم في عاشر الشَّهر، فرأته في أوَّله ــ لم تنقضِ حتَّى يمضي عليها يومٌ وليلةٌ. ثمَّ اختلفوا: هل يكون هذا الدَّم محسوبًا من العدَّة؟ على وجهين، تظهر فائدتهما في رجعتها في وقته.
فهذا تقرير مذاهب النَّاس في الأقراء.
قال من نصَّ٣ أنَّها الحيض: الدَّليل عليه وجوهٌ:
أحدها: أنَّ قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾[البقرة: ٢٢٨] إمَّا أن يراد به الأطهار فقط، أو الحيض فقط، أو مجموعهما. والثَّالث محالٌ إجماعًا، حتَّى عند من يحمل اللَّفظ المشترك على معنييه. وإذا تعيَّن حمله على أحدهما فالحيض أولى به لوجوهٍ، أحدها: أنَّها لو كانت الأطهار
(١) «أو لا تنقضي» ليست في النسخ. وهي في المطبوع، وبها يستقيم المعنى.