زاد المعاد

من الآخر، ولا سبيل إلى معنًى ثالثٍ، وتعطيلُه غير ممكنٍ، ويمتنع تأخير البيان عن وقت الحاجة. فإذا جاء وقت العمل، ولم يتبيَّن أنَّ أحدهما هو المقصود بعينه، عُلِم أنَّ الحقيقة غير مرادةٍ، إذ لو أُريدتْ لثَبتتْ١، فتعيَّن المجاز، وهو مجموع المعنيين. ومن يقول: إنَّ الحمل عليهما بالحقيقة يقول: لمَّا لم يتبيَّن أنَّ المراد أحدهما عُلِم أنَّه أراد كليهما.

قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة٢: وفي هذه الحكاية عن الشَّافعيِّ والقاضي نظرٌ. أمَّا القاضي فمن أصله الوقف في صيغ العموم، وأنَّه لا يجوز حملُها على الاستغراق إلا بدليلٍ، فمن يقف في ألفاظ العموم كيف يجزم في الألفاظ المشتركة بالاستغراق من غير دليلٍ؟ وإنَّما الذي ذكره في كتبه إحالة الاشتراك رأسًا، وما يُدَّعى فيه الاشتراك فهو عنده من قبيل المتواطئ. وأمَّا الشَّافعيُّ فمنصبه في العلم أجلُّ من أن يقول مثل هذا، وإنَّما استُنبط هذا من قوله: إذا أوصى لمواليه تناول المولى من فوق ومن أسفل. وهذا قد يكون قاله لاعتباره٣ أنَّ المولى من الأسماء المتواطئة، وأنَّ موضوعه٤ القدر المشترك بينهما، فإنَّه من الأسماء المتضايفة، كقوله: «من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه»٥،

  1. (١) في المطبوع: «لبيَّنت». والمثبت من النسخ.
  2. (٢) لم أجد قوله في المطبوع من كتبه. وقد أشار إليه الزركشي في «البحر المحيط» (٢/ ١٣٤) وابن حجر الهيتمي في «الفتاوى الفقهية الكبرى» (٣/ ٣٠٧).
  3. (٣) في المطبوع: «لاعتقاده» خلاف النسخ.
  4. (٤) في المطبوع: «موضعه» خلاف النسخ.
  5. (٥) هذا حديث روي عن عدد من الصحابة، أخرجه أحمد (١٩٣٢٨)، والترمذي (٣٧١٣)، وابن ماجه (١٢١)، وأبو يعلى (٥٦٧)، وابن حبان (٦٩٣١)، والحاكم (٣/ ١١٩)، والضياء المقدسي في «المختارة» (٤٧٩)، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب»، وكثير من طرقه حسان أو صحاح كما قال الحافظ في «الفتح» (٧/ ٧٤)، وصححه الشيخ أحمد شاكر في تحقيق «مسند أحمد» (١/ ٤٤٢)، والشيخ الألباني في «الصحيحة» (١٧٥٠)، وصنف فيه أبو الحسن ابن عقدة والذهبي جزءًا جمعا فيه طرقه، وضعَّفه بعض الحفاظ كالبخاري في «التاريخ الكبير» (١/ ٣٧٥)، والحربي كما نقله ابن تيمية في «منهاج السنة» (٧/ ٣١٩)، وابن حزم في «الفصل» (٤/ ١١٦).
228

ولا يلزم من هذا أن تُحكى عنه قاعدةٌ عامَّةٌ من١ الأسماء الَّتي ليس من معانيها قدرٌ مشتركٌ٢

أن تُحمل عند الإطلاق على جميع معانيها.

ثمَّ الذي يدلُّ على فساد هذا القول وجوهٌ:

أحدها: أنَّ استعمال اللَّفظ في معنييه إنَّما هو مجازٌ، إذ وضعه لكلِّ واحدٍ منهما على سبيل الانفراد هو الحقيقة، واللَّفظ المطلق لا يجوز حمله على المجاز، بل يجب حمله على حقيقته.

الثَّاني: أنَّه لو قُدِّر أنَّه موضوعٌ لهما منفردين، ولكلٍّ منهما مجتمعينِ، فإنَّه يكون له حينئذٍ ثلاثة مفاهيم، فالحمل على أحد مفاهيمه دون غيره بغير موجبٍ ممتنعٌ.

الثَّالث: أنَّه حينئذٍ يستحيل حمله على جميع معانيه، إذ حملُه على هذا وحده، وعلى هذا وحده، وعليهما معًا= مستلزمٌ للجمع بين النَّقيضين، فيستحيل حمله على جميع معانيه، وحمله عليهما معًا حملٌ له٣ على

  1. (١) في المطبوع: «في» خلاف النسخ.
  2. (٢) م، ح: «يشترك» ..
  3. (٣) «له» ليست في د.
229

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي