البحث عن التَّخصيص عند من يقول بذلك في صيغ العموم، ولا ينفي الإجمال عنه، إذ يصير بمنزلة سائر الألفاظ العامَّة، وهذا باطلٌ قطعًا، وأحكام الأسماء مشتركة١ لا تفارق أحكام الأسماء العامَّة، وهذا ممَّا يُعلَم بالاضطرار من اللُّغة، ولكانت الأمَّة قد أجمعت في هذه الآية على حملها على خلاف ظاهرها ومطلقها، إذ لم يَصِرْ أحدٌ منهم إلى حمل القرء على الطُّهر والحيض معًا.
وبهذا يتبيَّن بطلان قولهم: حمله عليهما أحوط، فإنَّه لو قُدِّر حمل الآية على ثلاثةٍ من الحيض والأطهار لكان فيه خروجٌ عن الاحتياط. وإن قيل بحملِه٢ على ثلاثةٍ من كلٍّ منهما، فهو خلاف نصِّ القرآن، إذ تصير القروء ستَّةً.
قولهم: إمَّا أن يُحمل على أحدهما بعينه أو عليهماإلى آخره.
قلنا: مثل هذا لا يجوز أن يَعرى عن دلالةٍ تُبيِّن المراد منه كما في الأسماء المجملة، وإن خفيت الدِّلالة على بعض المجتهدين فلا يلزم أن تكون خفيَّةً عن مجموع الأمَّة. وهذا هو الجواب عن الوجه الثَّالث، فالكلام إذا لم يكن مطلقه يدلُّ على المعنى المراد، فلا بدَّ من بيان المراد.
وإذا تعيَّن أنَّ المراد بالقرء في الآية أحدهما لا كلاهما، فإرادة الحيض أولى لوجوهٍ. منها: ما تقدَّم. الثَّاني: أنَّ استعمال القرء في الحيض أظهر منه في الطُّهر، فإنَّهم يذكرونه تفسيرًا للفظة، ثمَّ يُردِفونه بقولهم: وقيل، أو قال فلانٌ،
(١) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «المشتركة».
(٢) في المطبوع: «نحمله».
أو يقال: على الطُّهر، أو وهو أيضًا الطُّهر، فيجعلون تفسيره بالحيض كالمستقرِّ المعلوم المستفيض، وتفسيره بالطُّهر قولٌ قيل. وهاك١ حكاية ألفاظهم:
قال الجوهري٢: القَرء بالفتح: الحيض، والجمع أقراءٌ وقروءٌ. وفي الحديث: «لا صلاة أيَّام أقرائك»٣. والقَرء أيضًا: الطُّهر، وهو من الأضداد.
وقال أبو عبيد: الأقراء الحيض، ثمَّ قال: الأقراء الأطهار. وقال الكسائيُّ والفرَّاء: أقرأت المرأة: إذا حاضت٤.
وقال ابن فارس٥: القروء: أوقاتٌ تكون للطُّهر مرَّةً وللحيض مرَّةً، والواحد قَرْءٌ. ويقال: القَرْء: هو الطُّهر، ثمَّ قال: وقومٌ يذهبون إلى أنَّ القرء الحيض.
فحكى قول من جعله مشتركًا بين أوقات الطُّهر والحيض، وقول من جعله لأوقات الطُّهر، وقول من جعله لأوقات الحيض، وكأنَّه لم يختر واحدًا منهما، بل جعله لأوقاتهما.
قال: وأقرأت المرأةُ إذا خرجتْ من حيضٍ إلى طهرٍ، ومن طهرٍ إلى حيضٍ.
(١) ص، د، ح: «وقال».
(٢) في «الصحاح» (قرء).
(٣) سيأتي تخريجه. وكذا في الأصول: «لا صلاة». وفي «الصحاح»: «دعي الصلاة ...».