وفي «الترمذي»١: أنَّ الرُّبيِّع بنت مُعَوِّذ اختلعت على عهد رسول الله ﷺ، فأمرها النَّبيُّ ﷺ أو أُمِرَتْ أن تعتدَّ بحيضة. قال الترمذي: حديث الرُّبيع الصَّحيح أنَّها أُمِرتْ أن تعتدَّ بحيضةٍ.
وأيضًا فالاستبراء هو عدَّة الأمة، وقد ثبت عن أبي سعيد أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في سبايا أوطاسٍ: «لا تُوطَأ حاملٌ حتَّى تضَعَ، ولا غيرُ ذاتِ حَمْلٍ حتى تحيضَ حَيضةً». رواه أحمد٢ وأبو داود٣.
فإن قيل: لا نسلِّم أنَّ استبراء الأمة بالحيضة، وإنَّما هو بالطُّهر الذي قبل
(١) برقم (١١٨٥). وأخرجه ابن الجارود في «المنتقى» (٧٦٣)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٤٥٠)، كلهم من طريق الفضل بن موسى عن سفيان الثوري عن محمد بن عبد الرحمن عن سليمان بن يسار عن الربيع به، وخالف الفضلَ وكيعٌ فقد أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٧٤١)، من طريق وكيع عن سفيان به دون قوله: «على عهد رسول الله ...»، وهو أصح، وصحح هذا الوجه الترمذي في «جامعه» (١١٨٥)، والدراقطني في «العلل» (٤١١٣)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٤٥٠)، وقد جاء في «مصنف ابن أبي شيبة» (١٨٧٧٨) التصريح بأن الآمر بالاعتداد بحيضة هو عثمان بن عفان، وخالفه في ذلك ابن عمر.
(٢) برقم (١١٢٢٨).
(٣) برقم (٢١٥٧). وأخرجه الحاكم (٢/ ٢١٢)، ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (٥/ ٣٢٩).
الحيضة، كذلك قال ابن عبد البرِّ، وقال١: قولهم: إنَّ استبراء الأمة حيضةٌ بإجماعٍ ليس كما ظنُّوا، بل جائزٌ لها عندنا أن تنكح إذا دخلت في الحيضة، واستيقنت أنَّ دمها دم حيضٍ، كذلك قال إسماعيل بن إسحاق ليحيى بن أكثم حين أُدخِلَ عليه في مناظرته إيَّاه.
قلنا: هذا يردُّه قول النبي ﷺ: «لا تُوطَأ حاملٌ حتَّى تَضَعَ، ولا حائلٌ حتَّى تُستبرأ بحيضةٍ»٢.
وأيضًا فالمقصود الأصليُّ٣ من العدَّة إنَّما هو استبراء الرَّحم، وإن كان لها فوائد أخر، ولشرف الحرَّة المنكوحة وخَطَرِها جُعِل العَلَم الدَّالُّ على براءة رحمها ثلاثة أقراءٍ، فلو كان القرء هو الطُّهر لم يحصل بالقرء الأوَّل دلالةٌ، فإنَّه لو جامعها في الطُّهر ثمَّ طلَّقها ثمَّ حاضت= كان ذلك قرءًا محسوبًا من الأقراء عند من يقول: الأقراء الأطهار. ومعلومٌ أنَّ هذا لم يدلَّ على شيءٍ، وإنَّما الذي يدلُّ على البراءة الحيضُ الحاصل بعد الطَّلاق، ولو طلَّقها في طهرٍ لم يصبها فيه، فإنَّا نعلم٤ هنا براءة الرَّحم بالحيض الموجود قبل الطَّلاق، والعدَّة لا تكون قبل الطَّلاق؛ لأنَّها حكمه، والحكم لا يسبق سببَه. فإذا كان الطُّهر الموجود بعد الطَّلاق لا دلالة له على البراءة أصلًا، لم يجز إدخاله في العِدَد دالًّا٥ على براءة الرَّحم، وكان مثله كمثل شاهدٍ غير مقبولٍ،
(١) في «التمهيد» (١٥/ ٩٩).
(٢) تقدم تخريجه قريبًا.
(٣) م، ح: «الأصل».
(٤) في المطبوع: «فإنما يعلم». والمثبت من النسخ.
(٥) د، ص، ح، ز: «في العدد إلّا». وفي المطبوع: «في العدد الدالة». والمثبت من م.