الحيضة، كذلك قال ابن عبد البرِّ، وقال١: قولهم: إنَّ استبراء الأمة حيضةٌ بإجماعٍ ليس كما ظنُّوا، بل جائزٌ لها عندنا أن تنكح إذا دخلت في الحيضة، واستيقنت أنَّ دمها دم حيضٍ، كذلك قال إسماعيل بن إسحاق ليحيى بن أكثم حين أُدخِلَ عليه في مناظرته إيَّاه.
قلنا: هذا يردُّه قول النبي ﷺ: «لا تُوطَأ حاملٌ حتَّى تَضَعَ، ولا حائلٌ حتَّى تُستبرأ بحيضةٍ»٢.
وأيضًا فالمقصود الأصليُّ٣ من العدَّة إنَّما هو استبراء الرَّحم، وإن كان لها فوائد أخر، ولشرف الحرَّة المنكوحة وخَطَرِها جُعِل العَلَم الدَّالُّ على براءة رحمها ثلاثة أقراءٍ، فلو كان القرء هو الطُّهر لم يحصل بالقرء الأوَّل دلالةٌ، فإنَّه لو جامعها في الطُّهر ثمَّ طلَّقها ثمَّ حاضت= كان ذلك قرءًا محسوبًا من الأقراء عند من يقول: الأقراء الأطهار. ومعلومٌ أنَّ هذا لم يدلَّ على شيءٍ، وإنَّما الذي يدلُّ على البراءة الحيضُ الحاصل بعد الطَّلاق، ولو طلَّقها في طهرٍ لم يصبها فيه، فإنَّا نعلم٤ هنا براءة الرَّحم بالحيض الموجود قبل الطَّلاق، والعدَّة لا تكون قبل الطَّلاق؛ لأنَّها حكمه، والحكم لا يسبق سببَه. فإذا كان الطُّهر الموجود بعد الطَّلاق لا دلالة له على البراءة أصلًا، لم يجز إدخاله في العِدَد دالًّا٥ على براءة الرَّحم، وكان مثله كمثل شاهدٍ غير مقبولٍ،
(١) في «التمهيد» (١٥/ ٩٩).
(٢) تقدم تخريجه قريبًا.
(٣) م، ح: «الأصل».
(٤) في المطبوع: «فإنما يعلم». والمثبت من النسخ.
(٥) د، ص، ح، ز: «في العدد إلّا». وفي المطبوع: «في العدد الدالة». والمثبت من م.
ولا يجوز تعليق الحكم بشهادة شاهدٍ لا شهادة له.
يوضِّحه أنَّ العدَّة في المنكوحات كالاستبراء في المملوكات، وقد ثبت بصريح السُّنَّة أنَّ الاستبراء بالحيض لا بالطُّهر، فكذلك العدَّة، إذ لا فرقَ بينهما إلا بتعدُّد العدَّة، والاكتفاء بالاستبراء بقرء واحدٍ، وهذا لا يوجب اختلافهما في حقيقة القرء، وإنَّما يختلفان في القدر المعتبر منهما.
ولهذا قال الشَّافعيُّ ﵀ في أصحِّ القولين عنه: إنَّ استبراء الأمة يكون بالحيض، وفرَّق أصحابه بين البابين: بأنَّ العدَّة وجبت قضاءً لحقِّ الزَّوج، فاختصَّت بأزمان حقِّه، وهي أزمان الطُّهر، وبأنَّها تتكرَّر، فيُعْلَم معها البراءة بتوسُّط الحيض، بخلاف الاستبراء فإنَّه لا يتكرَّر، والمقصود منه مجرَّد البراءة، فاكتُفِي فيه بحيضةٍ. وقال في القول الآخر: تُستبرأ بطهرٍ طردًا لأصله في العِدَد، وعلى هذا فهل تحتسب١ ببعض الطُّهر؟ على وجهين لأصحابه، فإن احتسبت به فلا بدَّ من ضَمِّ حيضةٍ كاملةٍ إليه، فإذا طعنتْ في الطُّهر الثَّاني حَلَّت. وإن٢ لم تحتسب به فلا بدَّ من ضَمِّ طهرٍ كاملٍ إليه، ولا تحتسب ببعض الطُّهر عنده قرءًا قولًا واحدًا.
والمقصود أنَّ الجمهور على أنَّ عدَّة الاستبراء حيضةٌ لا طهرٌ، وهذا الاستبراء في حقِّ الأمة كالعدَّة في حقِّ الحرَّة، قالوا: بل الاعتداد في حقِّ الحرَّة بالحيض أولى من الأمة من وجهين:
أحدهما: أنَّ الاحتياط في حقِّها ثابتٌ بتكرير القرء، فهو ثلاث
(١) في جميع النسخ: «فلتحتسب» بدون «فهل». والمثبت من المطبوع.