ونقول لأصحاب مالك: وهذه عائشة لا ترى التَّحريم إلا بخمس رضعاتٍ، ومعها جماعةٌ من الصَّحابة، وروت فيه حديثين، فهلَّا قلتم: النِّساء أعلم بهذا من الرِّجال، وقدَّمتم قولها على قول من خالفها؟
فإن قلتم: هذا حكمٌ يتعدَّى إلى الرِّجال، فيستوي النِّساء معهم فيه.
قيل: ويتعدَّى١ حكم العدَّة إلى الرِّجال مثله، فيجب أن يستوي النِّساء معهم٢ فيه، وهذا لا خفاءَ به. ثمَّ يُرجَّح قول الرِّجال٣ في هذه المسألة بأنَّ٤ رسول الله ﷺ شهد لواحدٍ من هذا الحزب بأنَّ الله ضرب الحقَّ على لسانه وقلبه٥. وقد وافق ربَّه ﵎ في عدَّة مواضع قال فيها قولًا، فنزل القرآن بمثل ما قال٦، وأعطاه النَّبيُّ ﷺ فضلَ إنائه في النَّوم وأوَّله بالعلم٧، وشهد له بأنَّه مُحدَّثٌ مُلْهَمٌ٨، فإذا لم يكن بدٌّ من التَّقليد فتقليدُه
(١) د: «وتعدى».
(٢) في النسخ: «معهن».
(٣) «الرجال» ليست في د.
(٤) ص، د، ز: «لأن».
(٥) أخرجه أحمد (٥٦٩٧)، والترمذي (٣٦٨٢)، وابن حبان (٦٨٩٥)، والحاكم (٣/ ٩٣) من حديث ابن عمر ﵄، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح غريب».
(٦) أخرجه البخاري (٤٠٢)، ومسلم (٢٣٩٩) من حديث عمر ﵁.
(٧) أخرجه البخاري (٨٢)، ومسلم (٢٣٩١) من حديث ابن عمر ﵄.
(٨) أخرجه البخاري (٣٦٨٩) من حديث أبي هريرة ﵁، ومسلم (٢٣٩٨) من حديث عائشة ﵂.
أولى، وإن كانت الحجَّة هي الَّتي تَفْصِل بين المتنازعين فتحكيمها هو الواجب.
قولكم: إنَّ من قال: الأقراء الحيض، لا يقولون بقول علي وابن مسعودٍ، ولا بقول عائشة، فإنَّ عليًّا يقول: هو أحقُّ برجعتها ما لم تغتسل، وأنتم لا تقولون بواحدٍ من القولين= فهذا غايته أن يكون تناقضًا ممَّن لا يقول بذلك، كأصحاب أبي حنيفة، فتلك شَكاةٌ ظاهرٌ١ عارُها٢
عمَّن يقول بقول عليٍّ، وهو الإمام أحمد وأصحابه، كما تقدَّم حكاية ذلك، فإنَّ العدَّة تبقى عنده إلى أن تغتسل كما قاله عليٌّ ومن وافقه، ونحن نعتذر عمَّن يقول: الأقراء الحيض في ذلك، ولا يقول: هو أحقُّ بها ما لم تغتسل، فإنَّه وافق من يقول: الأقراء الحيض في ذلك، وخالفه في توقُّف٣ انقضائها على الغسل لمعارضٍ أوجب له مخالفته، كما يفعله سائر الفقهاء. ولو ذهبنا نعدُّ ما تصرَّفتم فيه هذا التَّصرُّف بعينه لطالَ٤. فإن كان هذا المعارض صحيحًا لم يكن تناقضًا منهم، وإن لم يكن صحيحًا لم يكن ضعفُ قولِهم في إحدى المسألتين عندهم بمانعٍ لهم من موافقتهم لهم في المسألة الأخرى، فإنَّ موافقة٥ أكابر الصَّحابة ــ وفيهم مَن فيهم مِن الخلفاء الرَّاشدين ــ في معظم قولهم خيرٌ وأولى من مخالفتهم في قولهم جميعه وإلغائه بحيث لا يُعتَبر البتَّةَ.
(١) م، ح: «ظاهرا».
(٢) نظر المؤلف إلى قول أبي ذؤيب الهذلي: وعَيَّرها الواشون أنّي أحبُّها ... وتلك شكاةٌ ظاهرٌ عنك عارُها