زاد المعاد

وفي «سننه»١ أيضًا: عن فاطمة بنت أبي حُبَيش أنها سألت رسول الله ﷺ فشكتْ إليه الدَّم، فقال لها رسول الله ﷺ: «إنَّما ذلكِ عِرْقٌ، فانظري فإذا أتى قرؤكِ فلا تُصلِّي، فإذا مَرَّ قرؤكِ فتَطهَّري، ثمَّ صلِّي ما بين القرء إلى القرء». وقد تقدَّم.

قال أبو داود٢: وروى قتادة، عن عروة، عن زينب، عن أم سلمة أنَّ أم حبيبة بنت جحش استُحِيضَتْ، فأمرها النَّبيُّ ﷺ أن تَدَعَ الصَّلاة أيَّام أقرائها.

وتعليل هذه الأحاديث بأنَّ هذا من تغيير الرُّواة رووه بالمعنى لا يُلتَفت إليه، ولا يُعرَّج عليه، فلو كانت من جانبِ مَن علَّلها لأعاد ذكرها وأبداه، وشنَّع على من خالفها.

وأمَّا قولكم: إنَّ الله سبحانه جعل اليأس من الحيض شرطًا في الاعتداد بالأشهر، فمن أين يلزم أن تكون القروء هي الحيض؟

قلنا: لأنَّه جعل الأشهر الثَّلاثة بدلًا عن الأقراء الثَّلاثة، وقال: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [الطلاق: ٤]، فنقلَهنَّ إلى الأشهر عند تعذُّرِ مُبدَلهنَّ وهو الحيض، فدلَّ على أنَّ الأشهر بدلٌ عن الحيض الذي يئسن منه، لا عن الطُّهر، وهذا واضحٌ.

قولكم: حديث عائشة معلولٌ بمُظاهر بن أسلم ومخالفة عائشة له، فنحن إنَّما احتججنا عليكم بما استدللتم به علينا في كون الطَّلاق بالنِّساء لا بالرِّجال، فكلُّ من صنَّف من أصحابكم في طريق الخلاف، أو استدلَّ على أنَّ

  1. (١) برقم (٢٨٠). وتقدم تخريجه (ص ٢٨٧).
  2. (٢) عقب (٢٨١).
281

طلاق العبد طلقتان، احتجَّ علينا بهذا الحديث، وقال: جعل النَّبيُّ ﷺ طلاق العبد تطليقتين، فاعتبر الطَّلاق بالرِّجال لا بالنِّساء، واعتبر العدَّة بالنِّساء، فقال: «وقرء الأمة حيضتان». فيا سبحان الله! يكون الحديث سليمًا من العلل إذا كان حجَّةً لكم، فإذا احتجَّ به منازعوكم عليكم اعتورَتْه العلل المختلفة! فما أشبهَه بقول القائل١:

يكون أُجاجًا دونكم فإذا انتهىإليكم تلقَّى نَشْرَكم فيَطِيبُ

فنحن إنَّما كِلْنا لكم بالصَّاع الذي كِلْتم لنا به، بخسًا ببخسٍ، وإيفاءً بإيفاءٍ. ولا ريبَ أنَّ مظاهرًا ممَّن لا يُحتجُّ به، ولكن لا يمتنع أن يُعتَضد بحديثه ويُقوَّى به الدَّليلُ غيرُه.

وأمَّا تعليله بخلاف عائشة له، فأين ذلك من تقريركم أنَّ مخالفة الرَّاوي لا تُوجِب ردَّ حديثه وأنَّ الاعتبار بما رواه لا بما رآه، وتكثيركم من الأمثلة الَّتي أخذ النَّاس فيها بالرِّواية دون مخالفة راويها لها، كما أخذوا برواية ابن عبَّاسٍ المتضمِّنة لبقاء النِّكاح مع بيع الزَّوجة، وتركوا رأيه بأنَّ بيع الأمة طلاقها، وغير ذلك.

وأمَّا ردُّكم لحديث ابن عمر: «طلاق الأمة طلقتان وقرؤها حيضتان» بعطية العَوْفي، فهو وإن ضعَّفه أكثر أهل الحديث فقد احتمل النَّاس حديثه وخرَّجوه في السُّنن، وقال يحيى بن معينٍ في رواية عبَّاسٍ الدُّوريِّ٢ عنه:

  1. (١) هو العباس بن الأحنف كما في «الأشباه والنظائر» للخالديين (١/ ١١) و«زهر الآداب» (٢/ ٩٤٥) و«الحماسة المغربية» (٢/ ٩٧٤) و«ديوانه» (ص ٢٩). ويروى للمجنون وغيره في «الأغاني» (٢/ ٦٣، ٦٤) و«ديوان مجنون ليلى» (ص ٥٣).
  2. (٢) «التاريخ» (٣/ ٥٠٠).
282

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي