وثبت عمَّن سلف مثل قولنا: قال محمَّد بن سيرين: ما أرى عدَّة الأمة إلا كعدَّة الحرَّة إلا أن تكون مضتْ في ذلك سنَّةٌ، فالسُّنَّة أحقُّ أن تتَّبع١.
قال٢: وذكر أحمد بن حنبلٍ أنَّ قول مكحول: إنَّ عدَّة الأمة في كلِّ شيءٍ كعدَّة الحرَّة٣، وهو قول أبي سليمان٤ وجميع أصحابنا. هذا كلامه.
وقد خالفهم في ذلك جمهور الأمَّة فقالوا: عدَّتها نصف عدَّة الحرَّة، هذا قول فقهاء المدينة سعيد بن المسيَّب٥ والقاسم٦ وسالم٧ وزيد بن أسلم٨ وعبد الله بن عتبة٩ والزُّهريِّ١٠ ومالك، وفقهاء أهل مكَّة كعطاء بن أبي رباحٍ١١ ومسلم بن خالدٍ١٢ وغيرهما، وفقهاء البصرة
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٢٨٨٠).
(٢) أي ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ٣٠٨).
(٣) ينظر: «مسائل أحمد» برواية ابنه عبد الله (ص ٣٧٦) و«مصنف ابن أبي شيبة» (١٩٢١٩)، فإن فيهما: «إذا مات عنها زوجها اعتدتْ عدة الحرة».
(٤) هو داود الظاهري.
(٥) أخرجه عبد الرزاق (١٢٨٨٧)، وابن أبي شيبة (١٩٠٩٧).
(٦) أخرجه البخاري في «التاريخ الأوسط» (٢/ ١٢٨)، والدارقطني (٥/ ٧٢)، ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٦٠٦).
(٧) أخرجه عبد الرزاق (١٢٨٧٨)، وابن أبي شيبة (١٩٠٩٩).
(٨) ذكره عنه معلقًا ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ٣٠٧)، وابن عبد البر في «التمهيد» (٣/ ٢٤١).
(٩) أخرجه عبد الرزاق (١٢٨٧٣).
(١٠) أخرجه عبد الرزاق (١٢٨٧٦)، وابن أبي شيبة (١٩١٠٤).
(١١) أخرجه عبد الرزاق (١٢٨٧٧)، وابن أبي شيبة (١٩١٠٦).
وسلفُهم في ذلك الخليفتان الرَّاشدان عمر بن الخطَّاب٢ وعليُّ بن أبي طالبٍ٣، صحَّ ذلك عنهما، وهذا قول عبد الله بن عمر ﵁ كما رواه مالك٤ عن نافع عنه: عدَّة الأمة حيضتان وعدَّة الحرَّة ثلاث حيضٍ. وقول زيد بن ثابتٍ كما رواه الزُّهريُّ عن قَبيصة بن ذُؤيبٍ عن زيد بن ثابتٍ: عدَّة الأمة حيضتان وعدَّة الحرَّة ثلاث حيضٍ٥.
وروى حمَّاد بن زيدٍ عن عمرو بن أوس الثقفي أنَّ عمر بن الخطَّاب قال: لو استطعتُ أن أجعل عدَّة الأمة حيضةً ونصفًا لفعلتُ، فقال له رجلٌ: يا أمير المؤمنين فاجعلْها شهرًا ونصفًا٦.
وقال عبد الرزاق٧: ثنا ابن جريجٍ، أخبرني أبو الزبير أنَّه سمع جابر بن عبد الله يقول: جعل لها عمر حيضتين، يعني الأمة المطلَّقة.
وروى عبد الرزاق٨ أيضًا عن ابن عيينة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن سليمان بن يسارٍ، عن عبد الله٩ بن عتبة بن مسعود، عن عمر: ينكح العبد اثنتين، ويطلِّق تطليقتين، وتعتدُّ الأمة حيضتين، فإن لم تحض فشهرين، أو قال: فشهرًا ونصفًا.
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٢٨٧٦).
(٢) سيذكره المصنف، وسيأتي تخريجه.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (١٩٠٩٦)، وعلقه البيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٤٢٥)، وفي إسناده انقطاع.
(٤) برقم (١٦٧٥)، ومن طريقه الشافعي في «الأم» (٦/ ٦٥٠)، ومن طريقه الدارقطني (٥/ ٦٩)، وتقدم الكلام عليه.
(٥) أخرجه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/ ٦٢).
(٦) هكذا في «المحلى» لابن حزم (١٠/ ٣٠٦)، وقد أخرجه من طريق الحجاج بن المنهال عن حماد بن زيد عن عمرو بن أوس به، وحماد لا يروي عن عمرو بن أوس، والحجاج ثقة كثير الحديث، ولا يعرف بتدليس، وهو كما سيأتي عن عمرو بن دينار عن عمرو بن أوس به، فلعل ابن حزم وهم في إسقاط عمرو بن دينار في رواية الحجاج، ونقله عنه المصنف، والله أعلم. وقد أخرجه سعيد بن منصور (١/ ٣٤٣)، ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٤٢٦) عن حماد عن عمرو بن دينار عن عمرو بن أوس به، وتابع حمادًا يحيى بن سعيد فرواه عن عمرو بن دينار عن عمرو بن أوس به كما عند سعيد بن منصور (١/ ٣٤٣)، وأخرجه الشافعي في «الأم» (٥/ ٥٥٣)، ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٤٢٥)، وسعيد بن منصور (١/ ٣٤٣)، وابن أبي شيبة (١٩١٠٣) من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عمرو بن أوس عن رجل من ثقيف أنه سمع عمر، وهو الأشبه؛ لأن ابن عيينة مقدم على حماد في عمرو بن دينار. وله شاهد عند عبد الرزاق (١٢٨٨٥) من طريق عطاء عن عمر، وعطاء لم يسمع من عمر.
(٧) «المصنف» (١٢٨٧٥).
(٨) «المصنف» (١٢٨٧٢)، وأخرجه الشافعي في «الأم» (٦/ ٥٥٢، ٥٥٣)، ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٢٥٥، ٦٩٨)، وسعيد بن منصور (١/ ٣٤٤، ٢/ ١٢١)، والدارقطني (٤/ ٤٧٥) كلهم من طريق ابن عيينة به، وذكر الدارقطني في «العلل» (١٩٥) أن شعبة تابع ابن عيينة فيه أيضًا، وأن الثوري رواه عن محمد بن عبد الرحمن به، إلا أنه دلسه، ولم يسمعه منه.