زاد المعاد

النَّاس على هذا.

وقد تقدَّم هذا الحديث بعينه، وقول القاسم وسالم فيه لرسول الأمير: قل له إنَّ هذا ليس في كتاب اللَّه، ولا سنَّة رسول الله ﷺ، ولكن عمل به المسلمون.

قالوا: ولو لم يكن في المسألة إلا قول عمر وابن مسعودٍ وزيد بن ثابتٍ وعبد الله بن عمر لكفى به. وفي قول ابن مسعودٍ: أتجعلون عليها نصفَ العذاب، ولا تجعلون لها نصفَ الرُّخصة؟ دليلٌ على اعتبار الصَّحابة للأقيسة والمعاني، وإلحاق النَّظير بالنَّظير.

ولمَّا كان هذا الأثر١ مخالفًا لقول الظَّاهريَّة في الأصل والفرع طعن ابن حزمٍ فيه، وقال٢: لا يصحُّ عن ابن مسعودٍ. قال: وهذا بعيدٌ على رجلٍ من عُرْضِ النَّاس٣، فكيف عن مثل ابن مسعودٍ؟ وإنَّما جرَّأه على الطَّعن فيه أنَّه من رواية إبراهيم النَّخعيِّ عنه، رواه عبد الرزاق عن معمر عن المغيرة عن٤ إبراهيم، وإبراهيم لم يسمع من عبد الله، ولكنَّ الواسطة بينه وبينه أصحاب عبد الله كعلقمة ونحوه. وقد قال إبراهيم: إذا قلت «قال عبد الله» فقد حدَّثني به غير واحدٍ عنه، وإذا قلت: قال فلانٌ عنه فهو مَن سَمَّيتُ، أو كما قال٥.

  1. (١) م، ح: «الأمر»، تصحيف.
  2. (٢) «المحلى» (١٠/ ٣١٠).
  3. (٣) أي عامتهم.
  4. (٤) في النسخ: «بن»، تحريف.
  5. (٥) أخرجه عنه الترمذي في «العلل الصغير» بشرحه لابن رجب (١/ ٥٣٧ - مكتبة الرشد)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (١٤/ ٥١٩)، وابن عبد البر في «التمهيد» (١/ ٣٧).
290

ومن المعلوم أنَّ بين إبراهيم وعبد الله أئمَّةً ثقاتٍ، لم يُسمِّ قطُّ متَّهمًا ولا مجروحًا ولا مجهولًا، فشيوخه الذين أخذ عنهم عن عبد الله أئمَّةٌ أجلَّاء نُبلاء، وكانوا كما قيل: سُرُج الكوفة. وكلُّ من له ذوقٌ في الحديث إذا قال إبراهيم: «قال عبد الله» لم يتوقَّف في ثبوته عنه، وإن كان غيره ممَّن في طبقته لو قال: قال عبد الله، لا يحصُلُ لنا الثَّبتُ بقوله. فإبراهيم عن عبد الله نظير ابن المسيَّب عن عمر، ونظير مالك عن ابن عمر، فإنَّ الوسائط بين هؤلاء وبين الصَّحابة إذا سَمَّوهم وجدوا من أجلِّ النَّاس وأوثقهم وأصدقهم، ولا يسمُّون سواهم البتَّةَ.

ودَعِ ابنَ مسعودٍ في هذه المسألة، فكيف يُخالَف عمر وزيد وابن عمر وهم أعلم بكتاب الله وسنَّة رسوله، ويُخالَف عمل المسلمين، لا إلى قول صاحبٍ البتَّةَ، ولا إلى حديثٍ صحيحٍ ولا حسنٍ، بل إلى عمومٍ أمرُه ظاهرٌ عند جميع الأمَّة، ليس هو ممَّا تخفى دلالته ولا موضعه حتَّى يَظْفَر به الواحد والاثنان دون سائر النَّاس؟ هذا من أبينِ المحال. ولو ذهبنا نذكر الآثار عن التَّابعين بتنصيف عدَّة الأمة لطالت جدًّا.

ثمَّ إذا تأمَّلتَ سياقةَ الآيات الَّتي فيها ذكرُ العِدَد وجدتَها لا تتناول الإماء، وإنَّما تتناول الحرائر، فإنَّه سبحانه قال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ إلى أن قال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا

291

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي