فالجواب: أنَّ القائلين بهذا هم بأنفسهم القائلون إنَّ عدَّتها حيضتان، وقد أفتَوا بهذا وهذا، ولهم في الاعتداد بالشهور ثلاثة أقوالٍ، وهي للشَّافعيِّ، وهي ثلاث رواياتٍ عن أحمد:
فأكثر الرِّوايات عنه أنَّها شهران، رواه عنه جماعةٌ من أصحابه، وهو إحدى الرِّوايتين عن عمر بن الخطَّاب١، ذكرها الأثرم وغيره عنه٢. وحجَّة هذا القول أنَّ عدَّتها بالأقراء حيضتان، فجُعِلَ كلُّ شهرٍ مكان حيضةٍ.
والقول الثَّاني: إنَّ عدَّتها شهرٌ ونصفٌ، نقلها عنه الأثرم والميموني٣. وهذا قول عليِّ بن أبي طالبٍ٤ وابن عمر٥ وابن المسيَّب٦ وأبي حنيفة، والشَّافعيِّ في أحد أقواله. وحجَّته أنَّ التَّنصيف في الأشهر ممكنٌ، فتنصَّفتْ بخلاف القروء. ونظير هذا: أنَّ المحرم إذا وجب عليه في جزاء الصَّيد نصفُ مدٍّ أخرجه، فإن أراد الصِّيام مكانَه لم يُجزِئْه إلا صوم يومٍ كاملٍ.
والقول الثَّالث: إنَّ عدَّتها ثلاثة أشهرٍ كوامل، وهو إحدى الرِّوايتين عن عمر٧، وقولٌ ثالثٌ للشَّافعيِّ، وهو فيمن ذكرتموه.
(١) تقدم تخريجه (ص ٢٨٨).
(٢) انظر: «المغني» (١١/ ٢٠٨، ٢٠٩).
(٣) كما في «المغني» (١١/ ٢٠٩).
(٤) تقدم تخريجه (ص ٢٨٧).
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (١٩١٠٢).
(٦) أخرجه عبد الرزاق (١٢٨٨٧)، وابن أبي شيبة (١٩٠٩٧).
(٧) تقدم تخريجه قريبًا.
والفرق عند هؤلاء بين اعتدادها بالأقراء وبين اعتدادها بالشُّهور: أنَّ اعتبار الشُهور للعلم ببراءة رحمها، وهو لا يحصل بدون ثلاثة أشهرٍ في حقِّ الحرَّة والأمة جميعًا؛ لأنَّ الحمل يكون نطفةً أربعين يومًا، ثمَّ عَلَقةً أربعين، ثمَّ مُضْغةً أربعين، وهي الطَّور الثَّالث الذي يمكن أن يظهر فيه الحمل، وهذا بالنِّسبة إلى الحرَّة والأمة سواءٌ بخلاف الأقراء، فإنَّ الحيضة الواحدة عَلَمٌ ظاهرٌ على الاستبراء، ولهذا اكتُفِي بها في حقِّ المملوكة، فإذا زُوِّجت فقد أخذَتْ شَبَهًا من الحرائر، وصارت أشرفَ من مِلْك اليمين، فجُعِلتْ عدَّتها بين العدَّتين.
قال الشَّيخ في «المغني»١: ومن ردَّ هذا القول قال: هو مخالفٌ لإجماع الصَّحابة، لأنَّهم اختلفوا على القولين الأوَّلين، ومتى اختلفوا على قولين لم يجز إحداثُ قولٍ ثالثٍ؛ لأنَّه يُفضِي إلى تخطئتهم وخروجِ الحقِّ عن قول جميعهم.
قلت: وليس في هذا إحداث قولٍ ثالثٍ، بل هو إحدى الرِّوايتين عن عمر، ذكرها ابن وهب وغيره، وقال به من التَّابعين من ذكرناهم وغيرهم.
فصل
وأمَّا عدَّة الآيسة والَّتي لم تَحِضْ، فقد بيَّنها سبحانه في كتابه فقال: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾[الطلاق: ٤]. وقد اضطرب النَّاس في حدِّ الإياس اضطرابًا شديدًا: