النَّبيَّ١ﷺ قالا: عَلِّمْنا أشياءَ، ثمَّ قال: «لا تَيْأَسا من الخيرِ ما تَهَزْهزتْ٢ رُؤوسُكما، فإنَّ كلَّ عبدٍ يُولَد أحمرَ ليس عليه قِشْرةٌ، ثمَّ يرزقه الله ويعطيه»٣.
وحدَّثنا علي بن عبد الله، حدَّثنا ابن عيينة قال: قال هشام بن عبد الملك لأبي حازم: يا أبا حازم، ما مالك؟ قال: خيرُ مالٍ، ثقتي بالله ويَأْسي ممَّا في أيدي النَّاس٤.
قال: وهذا أكثر من أن يُحصى. انتهى٥.
قال شيخنا٦: وليس للنِّساء في ذلك عادةٌ مستمرَّةٌ، بل فيهنَّ من لا
(١) د، ز: «إلى النبي».
(٢) أي تحركت، كناية عن الحياة. وفي بعض مصادر التخريج: «تهزَّزتْ»، وكلاهما بمعنًى.
(٣) أخرجه أحمد (١٥٨٥٥)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٤٥٣) مختصرًا، وابن ماجه (٤١٦٥)، والطبراني في «الكبير» (٤/ ٧)، وابن حبان (٣٢٤٢) من طرق عن الأعمش عن سلام بن شرحبيل به، وسلام تابعيٌّ لم يرو عنه غير الأعمش، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي: «وُثِّق»، وقال ابن حجر: «مقبول»، والحديث صححه ابن حبان والبوصيري في «مصباح الزجاجة» (٤/ ٢٢٧)، وضعفه الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٤٧٩٨)، وحديث مثل سلام في التابعين يُحسَّنُ إن لم يكن فيه ما يستنكر.
(٤) أخرجه الدينوري في «المجالسة وجواهر العلم» (٣/ ٣٣٧، ٧/ ٣٤٢) وأبو نعيم في «الحلية» (٣/ ٢٣١) من طريق سفيان بن عيينة به.
(٥) أي كلام القاضي إسماعيل في «أحكام القرآن»، الذي بدأ قبل أربع صفحات.
(٦) لم أجد كلامه في المطبوع من كتبه.
تحيض وإن بلغت، وفيهنَّ من تحيض حيضًا يسيرًا يتباعد ما بين أقرائها حتَّى تحيض في السَّنة مرَّةً، ولهذا اتَّفق العلماء على أنَّ أكثر الطُّهر بين الحيضتين لا حدَّ له. وغالب النِّساءَ يَحِضْنَ كلَّ شهرٍ مرَّةً، ويَحِضنَ ربع الشَّهر، ويكون طهرهنَّ ثلاثةَ أرباعه، ومنهنَّ من تطهر الشُّهورَ المتعدِّدةَ لقلَّة رطوبتها، ومنهنَّ من يُسرِع إليها الجفافُ فينقطع حيضها وتيأسُ منه، وإن كان لها دون الخمسين بل والأربعين، ومنهنَّ من لا يُسرِع إليها الجفافُ فتجاوزُ الخمسين وهي تحيض. قال: وليس في الكتاب ولا السُّنَّة تحديدُ اليأس بوقتٍ، ولو كان المراد بـ (اللائي يئسن من المحيض) من لها خمسون سنةً أو ستُّون أو غير ذلك لقيل: واللَّائي يبلغن من السِّنِّ كذا وكذا، ولم يقل: يئسنَ.
وأيضًا فقد ثبت عن الصَّحابة أنَّهم جعلوا من ارتفع حيضها قبل ذلك يائسةً كما تقدَّم، والوجود مختلفٌ في وقت يأسهنَّ غيرُ متَّفقٍ.
وأيضًا فإنَّه سبحانه قال: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾[الطلاق: ٤]، ولو كان له وقتٌ محدَّد لكانت المرأة وغيرها سواءً في معرفة يأسها، وهو سبحانه قد خصَّ النِّساء بأنَّهنَّ من اللَّائي يئسنَ، كما خصَّهنَّ بقوله: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾[الطلاق: ٤]، فالَّتي تحيض هي الَّتي تيأس. وهذا بخلاف الارتياب، فإنَّه سبحانه قال: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾، ولم يقل: «إن ارتَبْن»، أي إن ارتبتم في حكمهنَّ وشككتم فيه فهو.
هذا١ الذي عليه جماعة أهل التَّفسير، كما روى ابن أبي حاتمٍ في
(١) في المطبوع: «فهو هذا لا هذا». والمثبت من النسخ.