زاد المعاد

قلت: والجمهور على أنَّها تعتدُّ بثلاثة أشهرٍ، ولم يجعلوا للصِّغر١ الموجب للاعتداد بها حدًّا، فكذلك يجب أن لا يكون للكبر الموجب للاعتداد بالشُّهور حدًّا٢، وهذا ظاهرٌ وللَّه الحمد.

فصل

وأمَّا عدَّة الوفاة فتجب بالموت، سواءٌ دخل بها أو لم يدخل، اتِّفاقًا كما دلَّ عليه عموم القرآن والسُّنَّة، واتَّفقوا على أنَّهما يتوارثان قبل الدُّخول، وعلى أنَّ الصَّداق يستقرُّ إذا كان مسمًّى؛ لأنَّ الموت لمَّا كان انتهاء العقد وانقضاءَه٣ استقرَّت به الأحكام، فتوارثَا واستقرَّ المهر ووجبت العدَّة.

واختلفوا في مسألتين:

إحداهما: وجوب مهر المثل إذا لم يكن مسمًّى، فأوجبه أحمد وأبو حنيفة والشَّافعيُّ في أحد قوليه، ولم يوجبه مالك والشَّافعيُّ في القول الآخر، وقضى بوجوبه رسول الله ﷺ كما جاء في السُّنَّة الصَّحيحة الصَّريحة من حديث بَرْوَع بنت واشق، وقد تقدَّم٤. ولو لم تَرِدْ به السُّنَّة لكان هو محض القياس؛ لأنَّ العرف٥ أُجري مُجرى الدُّخول في تقرير المسمَّى ووجوبِ العدَّة.

  1. (١) ص، د، ز: «الصغر».
  2. (٢) كذا في جميع النسخ منصوبًا على توهُّم أنه خبر «يكون»، والوجه الرفع.
  3. (٣) «وانقضاءه» ليست في المطبوع.
  4. (٤) تقدم تخريجه.
  5. (٥) في المطبوع: «الموت» خلاف النسخ.
307

والمسألة الثَّانية: هل يثبت تحريم الرَّبيبة بموت الأمِّ كما يثبت بالدُّخول بها؟ وفيه قولان للصَّحابة، وهما روايتان عن أحمد.

والمقصود أنَّ العدَّة فيه ليست للعلم ببراءة الرَّحم، فإنَّها تجب قبل الدُّخول، بخلاف عدَّة الطَّلاق. وقد اضطرب النَّاس في حِكمة عدَّة الوفاة وغيرها:

فقيل: هي لبراءة الرَّحم، وأُورِد على هذا القول وجوهٌ كثيرةٌ، منها: وجوبها قبل الدُّخول في الوفاة، ومنها: أنَّها ثلاثة قروءٍ وبراءة الرَّحم يكفي فيها حيضةٌ كما في المستبرأة١، ومنها: وجوب ثلاثة أشهرٍ في حقِّ من يقطع ببراءة رحمها لصغرها أو كبرها.

ومن النَّاس من يقول: هو تعبُّد لا يُعقَل معناه، وهذا فاسدٌ لوجهين:

أحدهما: أنَّه ليس في الشَّريعة حكمٌ إلا وله حكمةٌ، وإن لم يعقلها كثيرٌ من النَّاس أو أكثرهم.

الثَّاني: أنَّ العِدَد ليست من العبادات المحضة، بل فيها من المصالح رعايةُ حقِّ الزَّوجين والولد والنَّاكح.

قال شيخنا٢: والصَّواب أن يقال: أمَّا عدَّة الوفاة فهي حرمٌ لانقضاء النِّكاح ورعايةٌ لحقِّ الزَّوج، ولهذا تُحِدُّ المتوفَّى عنها زوجُها٣ في عدَّة الوفاة رعايةً لحقِّ الزَّوج، فجُعِلت العدَّة حريمًا لحقِّ هذا العقد الذي له خَطَرٌ

  1. (١) «ومنها أنها ... في المستبرأة» ساقطة من ز.
  2. (٢) لم أجد كلامه في كتبه المطبوعة.
  3. (٣) «زوجها» من ص، ح.
308

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي