كان لا يملك إسقاطَ الرَّجعة فكيف يملك إثبات التَّحريم الذي لا تعود بعده إلا بزوجٍ وإصابةٍ؟
فإن قيل: فلازمُ هذا أنَّه لا يملكه ولو بعد اثنتين.
قلنا: ليس ذلك بلازمٍ، فإنَّ الله سبحانه مَلَّكه الطَّلاقَ على وجهٍ معيَّنٍ، وهو أن يُطلِّق واحدةً ويكون أحقَّ برجعتها ما لم تنقضِ عدَّتها، ثمَّ إن شاء طلَّق الثَّانية كذلك، وتبقى له واحدةٌ، وأخبر أنَّه إن أوقعها حرمت عليه، ولا تعود إليه إلا أن تتزوَّج غيرَه ويصيبَها ويفارقَها. فهذا هو الذي ملَّكه إيَّاه لم يُملِّكه أن يُحرِّمها ابتداءً تحريمًا تامًّا من غير تقدُّمِ تطليقتين. وباللَّه التَّوفيق.
فصل
قد ذكرنا حكم رسول الله ﷺ في المختلعة أنَّها تعتدُّ بحيضةٍ، وأنَّ هذا مذهب عثمان بن عفَّان، وابن عبَّاسٍ، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبلٍ في إحدى الرِّوايتين عنه، اختارها شيخنا. ونحن نذكر الأحاديث بذلك بإسنادها.
قال النَّسائيُّ في «سننه الكبير»١: بابٌ في عدَّة المختلعة. أخبرني أبو علي محمد بن يحيى المروزي، ثنا شاذان٢ بن عثمان أخو عبدان، ثنا أبي،
(١) برقم (٥٦٦١). وأخرجه النسائي أيضًا في «المجتبى» (٣٤٩٧)، وابن ماجه (٢٠٥٨)، وأبو عوانة في «صحيحه» (٤٧٢٩).
(٢) في المطبوع: «شاذان عبد العزيز». والمثبت من النسخ والنسائي. وشاذان لقب، واسمه عبد العزيز.
ثنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، قال: أخبرني محمد بن عبد الرحمن أنَّ رُبَيِّع بنت مُعَوِّذ بن عفراء أخبرته أنَّ ثابت بن قيس بن شمَّاسٍ ضرب امرأته فكسرَ يدها، وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي، فجاء أخوها يشتكيه إلى رسول الله ﷺ، فأرسل رسول الله ﷺ إلى ثابتٍ فقال: «خُذِ الذي لها عليك وخَلِّ سبيلَها». فقال: نعم. فأمرها رسول الله ﷺ أن تتربَّص حيضةً واحدةً وتَلْحَق بأهلها.
أخبرنا عبيد الله١ بن سعد بن إبراهيم بن سعد، قال: حدَّثني عمِّي، قال حدثنا أبي، عن ابن إسحاق قال: حدَّثني عُبادة بن الوليد بن عبادة بن الصَّامت، عن رُبَيِّع بنت مُعَوِّذ، قال: قلت لها: حدِّثيني حديثَكِ، قالت: اختلعتُ من زوجي، ثمَّ جئتُ عثمانَ فسألتُ: ماذا عليَّ من العدَّة؟ قال: لا عدَّةَ عليكِ إلا أن يكون حديثَ عهدٍ بكِ، فتمكُثين حتَّى تحيضي٢ حيضةً. قالت: وإنَّما يَتَّبِع في ذلك قضاء رسول الله ﷺ في مريم المَغَالِيَّة٣، كانت تحت ثابت بن قيس بن شمَّاسٍ فاختلعت منه٤.
وروى عكرمة عن ابن عبَّاسٍ أنَّ امرأة ثابت بن قيسٍ اختلعت منه،
(١) د: «عبد الله»، خطأ.
(٢) د، ص، ح، ز: «تحيضين».
(٣) د، ص، ح، م: «العالية»، تحريف. والمغالية نسبة إلى بني مَغَالة بطن من الأنصار. انظر: «الإصابة» (١٤/ ٢٠٦).
(٤) برقم (٥٦٦٢). وأخرجه النسائي أيضًا في «المجتبى» (٣٤٩٨)، وابن ماجه (٢٠٥٨)، والطبراني في «الكبير» (٢٤/ ٢٥٦).