مالك أخت أبي سعيد الخدري: أنَّها جاءت إلى رسول الله ﷺ تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خُدْرة، فإنَّ زوجها خرج في طلب أعبُدٍ له أَبَقُوا، حتَّى إذا كانوا بطرف القَدُوم١ لحِقَهم فقتلوه، فسألتُ رسول الله ﷺ أن أرجعَ إلى أهلي، فإنِّي لم يتركني في مسكنٍ يَملِكه ولا نفقةٍ، فقال رسول الله ﷺ: «نعم». فخرجت حتَّى إذا كنت في الحُجرة أو في المسجد دعاني، أو أمر بي٢ فدُعِيتُ له، فقال: «كيف قلتِ؟» فرددتُ عليه القصَّة الَّتي ذكرتُ من شأن زوجي، قالت: فقال: «امكُثي في بيتكِ حتَّى يبلُغَ الكتابُ أجلَه». قالت: فاعتددتُ فيه أربعة أشهرٍ وعشرًا، قالت: فلمَّا كان عثمان أرسلَ إليَّ، فسألني عن ذلك فأخبرتُه، فقضى به واتَّبعه.
قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وقال أبو عمر بن عبد البرِّ٣: هذا حديثٌ مشهورٌ معروفٌ عند علماء الحجاز والعراق. وقال أبو محمَّد بن حزمٍ٤: هذا الحديث لا يثبت، فإنَّ زينب هذه مجهولةٌ، لم يروِ حديثَها غيرُ سعيد٥ بن إسحاق بن كعب، وهو غير مشهورٍ بالعدالة، مالك وغيره يقول فيه: سعد بن إسحاق٦، وسفيان يقول: سعيد.
(١) موضع على ستة أميال من المدينة.
(٢) ص، د، ح، م: «أمرني».
(٣) في «التمهيد» (٢١/ ٣١).
(٤) في «المحلى» (١٠/ ٣٠٢).
(٥) كذا في النسخ، وعليه بنى المؤلف في الرد على ابن حزم كما سيأتي. وفي «المحلى»: «سعد». فكأن النسخة التي اعتمد عليها المؤلف كان فيها: «سعيد».
(٦) د، ص، ز، م: «إسحاق بن سعد»، خطأ.
وما قاله أبو محمد فغير صحيحٍ، فالحديث حديثٌ صحيحٌ مشهورٌ بالحجاز والعراق، وأدخله مالك في «موطَّئه»١، واحتجَّ به، وبنى عليه مذهبه.
فأمَّا قوله: إنَّ زينب بنت كعب مجهولةٌ، فنعم مجهولةٌ عنده فكان ماذا؟ وزينب هذه من التَّابعيَّات، وهي امرأة أبي سعيد، روى عنها سعد بن إسحاق بن كعب وليس بسعيد، وقد ذكرها ابن حبَّان في كتاب «الثِّقات»٢. والَّذي غرَّ أبا محمد قولُ عليِّ بن المدينيِّ: لم يَروِ عنها غيرُ سعد٣ بن إسحاق. وقد روينا في «مسند الإمام أحمد»٤: ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدَّثني عبد الله بن عبد الرحمن بن٥ مَعمر بن حزم، عن سليمان٦ بن محمد بن كعب بن عُجْرة، عن عمَّته زينب بنت كعب بن عُجْرة وكانت عند أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن أبي سعيد قال: اشتكى النَّاس عليًّا، فقام النَّبيُّ ﷺ خطيبًا، فسمعتُه يقول: «يا أيُّها النَّاس لا تَشْكُوا عليًّا، فواللَّه إنَّه لأَخْشَنُ٧ في ذات اللَّه ــ أو: في سبيل اللَّه ــ». فهذه امرأةٌ تابعيَّةٌ كانت
(١) (١٧٢٩).
(٢) (٤/ ٢٧١).
(٣) ص، د، ز: «سعيد».
(٤) برقم (١١٨١٧). وفي «فضائل الصحابة» (١١٦١)، ومن طريقه الحاكم (٣/ ١٤٤). وأخرجه أبو نعيم في «الحلية» (١/ ٦٨) من طريق زياد بن عبد الله عن أبي إسحاق به. والحديث صححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٤٧٩).
(٥) في النسخ: «عن»، خطأ.
(٦) في النسخ: «سلمان». والتصويب من المسند. وانظر: «تعجيل المنفعة» (ص ١٦٧).