وما قاله أبو محمد فغير صحيحٍ، فالحديث حديثٌ صحيحٌ مشهورٌ بالحجاز والعراق، وأدخله مالك في «موطَّئه»١، واحتجَّ به، وبنى عليه مذهبه.
فأمَّا قوله: إنَّ زينب بنت كعب مجهولةٌ، فنعم مجهولةٌ عنده فكان ماذا؟ وزينب هذه من التَّابعيَّات، وهي امرأة أبي سعيد، روى عنها سعد بن إسحاق بن كعب وليس بسعيد، وقد ذكرها ابن حبَّان في كتاب «الثِّقات»٢. والَّذي غرَّ أبا محمد قولُ عليِّ بن المدينيِّ: لم يَروِ عنها غيرُ سعد٣ بن إسحاق. وقد روينا في «مسند الإمام أحمد»٤: ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدَّثني عبد الله بن عبد الرحمن بن٥ مَعمر بن حزم، عن سليمان٦ بن محمد بن كعب بن عُجْرة، عن عمَّته زينب بنت كعب بن عُجْرة وكانت عند أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن أبي سعيد قال: اشتكى النَّاس عليًّا، فقام النَّبيُّ ﷺ خطيبًا، فسمعتُه يقول: «يا أيُّها النَّاس لا تَشْكُوا عليًّا، فواللَّه إنَّه لأَخْشَنُ٧ في ذات اللَّه ــ أو: في سبيل اللَّه ــ». فهذه امرأةٌ تابعيَّةٌ كانت
(١) (١٧٢٩).
(٢) (٤/ ٢٧١).
(٣) ص، د، ز: «سعيد».
(٤) برقم (١١٨١٧). وفي «فضائل الصحابة» (١١٦١)، ومن طريقه الحاكم (٣/ ١٤٤). وأخرجه أبو نعيم في «الحلية» (١/ ٦٨) من طريق زياد بن عبد الله عن أبي إسحاق به. والحديث صححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٤٧٩).
(٥) في النسخ: «عن»، خطأ.
(٦) في النسخ: «سلمان». والتصويب من المسند. وانظر: «تعجيل المنفعة» (ص ١٦٧).
(٧) في «المسند»: «لأُخَيشِنُ».
تحت صحابيٍّ، روى عنها الثِّقات، ولم يُطْعَن فيها بحرفٍ، واحتجَّ الأئمَّة بحديثها وصحَّحوه.
وأمَّا قوله: إنَّ سعد بن إسحاق غير مشهورٍ بالعدالة، فقد قال إسحاق بن منصورٍ عن يحيى بن معينٍ: ثقةٌ، وقال النَّسائيُّ والدَّارقطنيُّ أيضًا: ثقةٌ. وقال أبو حاتم: صالحٌ. وذكره ابن حبَّان في كتاب «الثِّقات»١، وقد روى عنه النَّاس: حمَّاد بن زيدٍ، وسفيان الثَّوريُّ، وعبد العزيز الدَّراورديُّ، وابن جريجٍ، ومالك بن أنسٍ، ويحيى بن سعيدٍ الأنصاريُّ، والزُّهريُّ وهو أكبر منه، وحاتم بن إسماعيل، وداود بن قيس، وخلقٌ سواهم من الأئمَّة، ولم يُعلَم فيه قدحٌ ولا جرحٌ البتَّةَ٢. ومثل هذا يُحتجُّ به اتِّفاقًا.
وقد اختلفت الصَّحابة ومن بعدهم في حكم هذه المسألة:
فروى عبد الرزاق٣ عن معمر، عن الزُّهريِّ، عن عروة بن الزُّبير، عن عائشة أنَّها كانت تفتي المتوفَّى عنها بالخروج في عدَّتها، وخرجت بأختها أم كلثوم حين قُتِل عنها طلحة بن عبيد الله إلى مكَّة في عمرةٍ.
ومن طريق عبد الرزاق٤: أخبرنا ابن جريجٍ، أخبرني عطاء، عن ابن عبَّاسٍ أنَّه قال: إنَّما قال الله ﷿: تعتدُّ أربعة أشهرٍ وعشرًا، ولم يقل: تعتدُّ في بيتها، فتعتدُّ حيث شاءت.
(١) (٦/ ٣٧٥).
(٢) انظر ترجمته في «تهذيب التهذيب» (٣/ ٤٦٦).
(٣) في «المصنف» (١٢٠٥٤).
(٤) في «المصنف» (١٢٠٥١)، ومن طريقه ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ٢٨٤). وأخرجه أيضًا ابن جرير في «تفسيره» (٤/ ٢٥٤) والحاكم (٢/ ٢١١).