فإذا فرغ من قراءة الفاتحة قال: آمين١. فإن كان يجهر بالقراءة رفع بها صوتَه، وقالها مَن خلفه.
وكان له سكتتان: سكتة بين التكبير والقراءة، وعنها سأله أبو هريرة٢. واختلف في الثانية، فروي أنها بعد الفاتحة، وروي أنها بعد القراءة وقبل الركوع. وقيل: بل٣ هي سكتتان غير الأولى، فتكون ثلاثة٤. والظاهر أنهما اثنتان فقط، وأما الثالثة فلطيفة جدًّا لأجل ترادِّ النفس، ولم يكن يصل القراءة بالركوع؛ بخلاف السكتة الأولى، فإنه كان يجعلها بقدر الاستفتاح. والثانية قد قيل فيها: إنها لأجل قراءة المأموم، فعلى هذا ينبغي تطويلها بقدر قراءة الفاتحة. وأما الثالثة فللراحة والنفس٥ فقط، فهي سكتة لطيفة. فمن لم يذكرها فلقصرها، ومن اعتبرها جعلها سكتةً ثالثةً، فلا اختلاف بين الروايتين. وهذا أظهر ما يقال في هذا٦ الحديث.
يبيِّن ذلك أن أحد من روى حديث السكتتين هو سمُرة بن جُنْدُب، وقد
(١) أخرجه مالك (٢٣١) ومن طريقه البخاري (٧٨٠) ومسلم (٤١٠) عن الزهري مرسلًا عقب حديث أبي هريرة في أمر النبي ﷺ بالتأمين في الصلاة وفيه فضل التأمين. وأخرج أيضًا مالك (٢٣٢) والبخاري (٧٨٢) ومسلم (٤١٥) من غير طريق ابن شهاب الزهري من حديث أبي هريرة أمرَه ﷺ به فقط.
(٢) أخرجه البخاري (٧٤٤) ومسلم (٥٩٨).
(٣) لفظ «بل» ساقط من ق، م، مب، ن.
(٤) كذا بتأنيث العدد في جميع النسخ.
(٥) م، مب: «والتنفس».
(٦) «هذا» من ق، م، مب، ن.
قال١: «حفظت عن رسول الله ﷺ سكتتين: سكتةً إذا كبَّر، وسكتةً إذا فرغ من قراءة ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾[الفاتحة: ٧]»٢. وفي بعض طرق الحديث: «وإذا فرغ من القراءة سكت»٣، وهذا كالمجمل، واللفظ الأول مفسَّر مبيَّن. ولهذا قال أبو سلمة بن عبد الرحمن٤: «للإمام سكتتان، فاغتنموا فيهما القراءة بفاتحة الكتاب»: إذا افتتح الصلاة٥، وإذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾؛ على أن تعيين محلِّ السَّكتتين إنما هو من تفسير قتادة٦،
فإنه
(١) هكذا سياق الكلام في م، ق، مب، ن، غير أن «هو» لم يرد في مب، ن كما لم يرد «قد» في ق. والسياق في غيرها: «وقد صحَّ حديث السكتتين من رواية سمرة وأُبي بن كعب وعمران بن حصين. ذكر ذلك أبو حاتم في صحيحه. هو سمرة ...» وقد استدرك نحو هذه العبارة في هامش ن، فلفَّقت النسخ المطبوعة بين العبارتين.
(٢) أخرجه أبو داود (٧٧٩) من طريق قتادة عن الحسن عن سمرة.
(٣) أخرجه ابن حبان (١٨٠٧) من طريق قتادة عن الحسن عن سمرة. وقد أخرجه أيضًا أبو داود (٧٨٠) والترمذي (٢٥١) وابن ماجه (٨٤٤)، وعندهم أن تفسير السكتتين من كلام قتادة كما يسوق المصنف لفظه، وسيأتي تمام تخريجه هنالك.
(٤) أخرجه البخاري في «جزء القراءة» (١٦٥) وابن حزم في «المحلى» (٣/ ٢٣٨). وأخرج البخاري عقبه بإسناد حسن عن أبي سلمة عن أبي هريرة قوله.
(٥) ص: «القراءة».
(٦) ولكن ورد عند أحمد (٢٠١٦٦) والدارمي (١٢٧٩) والبخاري في «جزء القراءة» (٢٧٨) من طريق حميد الطويل عن الحسن عن سمرة بن جندب أن رسول الله ﷺ كانت له سكتتان، سكتة حين يفتتح الصلاة، وسكتة إذا فرغ من السورة الثانية قبل أن يركع، فذكر ذلك لعمران بن حصين .... الحديث؛ وكذلك عند أحمد (٢٠١٢٧، ٢٠٢٦٦) والبزار (٤٥٤٢) من طريق يونس عن الحسن عن سمرة. فكأن التفسير من كلام سمرة أو الحسن.