قال١: «حفظت عن رسول الله ﷺ سكتتين: سكتةً إذا كبَّر، وسكتةً إذا فرغ من قراءة ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾[الفاتحة: ٧]»٢. وفي بعض طرق الحديث: «وإذا فرغ من القراءة سكت»٣، وهذا كالمجمل، واللفظ الأول مفسَّر مبيَّن. ولهذا قال أبو سلمة بن عبد الرحمن٤: «للإمام سكتتان، فاغتنموا فيهما القراءة بفاتحة الكتاب»: إذا افتتح الصلاة٥، وإذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾؛ على أن تعيين محلِّ السَّكتتين إنما هو من تفسير قتادة٦،
فإنه
(١) هكذا سياق الكلام في م، ق، مب، ن، غير أن «هو» لم يرد في مب، ن كما لم يرد «قد» في ق. والسياق في غيرها: «وقد صحَّ حديث السكتتين من رواية سمرة وأُبي بن كعب وعمران بن حصين. ذكر ذلك أبو حاتم في صحيحه. هو سمرة ...» وقد استدرك نحو هذه العبارة في هامش ن، فلفَّقت النسخ المطبوعة بين العبارتين.
(٢) أخرجه أبو داود (٧٧٩) من طريق قتادة عن الحسن عن سمرة.
(٣) أخرجه ابن حبان (١٨٠٧) من طريق قتادة عن الحسن عن سمرة. وقد أخرجه أيضًا أبو داود (٧٨٠) والترمذي (٢٥١) وابن ماجه (٨٤٤)، وعندهم أن تفسير السكتتين من كلام قتادة كما يسوق المصنف لفظه، وسيأتي تمام تخريجه هنالك.
(٤) أخرجه البخاري في «جزء القراءة» (١٦٥) وابن حزم في «المحلى» (٣/ ٢٣٨). وأخرج البخاري عقبه بإسناد حسن عن أبي سلمة عن أبي هريرة قوله.
(٥) ص: «القراءة».
(٦) ولكن ورد عند أحمد (٢٠١٦٦) والدارمي (١٢٧٩) والبخاري في «جزء القراءة» (٢٧٨) من طريق حميد الطويل عن الحسن عن سمرة بن جندب أن رسول الله ﷺ كانت له سكتتان، سكتة حين يفتتح الصلاة، وسكتة إذا فرغ من السورة الثانية قبل أن يركع، فذكر ذلك لعمران بن حصين .... الحديث؛ وكذلك عند أحمد (٢٠١٢٧، ٢٠٢٦٦) والبزار (٤٥٤٢) من طريق يونس عن الحسن عن سمرة. فكأن التفسير من كلام سمرة أو الحسن.
روى الحديث عن الحسن عن سمُرة قال: «سكتتان حفظتُهما عن رسول الله ﷺ»، فأنكر ذلك عمران، وقال: «حفظنا سكتةً»، فكتبنا إلى أُبيِّ بن كعب بالمدينة، فكتب أُبيّ أن قد حفظ سَمُرة. قال سعيد: فقلنا١ لقتادة: ما هاتان السكتتان؟ قال: إذا دخل في صلاته، وإذا فرغ من القراءة. ثم قال بعد ذلك: وإذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. قال: وكان يعجبه إذا فرغ من القراءة أن يسكت حتى يترادَّ إليه نفَسُه٢. ومن يحتجُّ بالحسن عن سَمُرة يحتجُّ بهذا٣.
(١) ك: «فقلت».
(٢) أخرجه الترمذي (٢٥١) وابن ماجه (٨٤٤) ــ واللفظ لهما ــ وأبو داود (٧٨٠). قال الترمذي: وهو قول غير واحد من أهل العلم: يستحبون للإمام أن يسكت بعدما يفتتح الصلاة وبعد الفراغ من القراءة. وبه يقول أحمد وإسحاق وأصحابنا. وقد وقع عند البيهقي (٢/ ١٩٦) بأتم لفظ وأوضحه: «قلنا لقتادة: ما السكتتان؟ قال: سكتة حين يكبر والأخرى حين يفرغ من القراءة عند الركوع، ثم قال الأخرى ــ يعنى المرة الأخرى ــ: سكتة حين يكبر وسكتة إذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾». والحديث حسنه الترمذي وصححه ابن حبان (١٨٠٧). ولكن أعله الألباني بعنعنة الحسن والاضطراب في متنه فضعفه، وتعقب أيضًا على مَن يرى أن السكتة الثانية بعد الفاتحة ويُطوَّل فيها، انظر: «الضعيفة» (٥٤٧) و«إرواء الغليل» (٥٠٥).
(٣) وقد تكلم المصنف ﵀ على السكتتين في «كتاب الصلاة» (ص ٤٠٨) أيضًا وختم كلامه بقوله: «... وبالجملة، فلم يُنقل عنه ﷺ بإسناد صحيح ولا ضعيف أنه كان يسكت بعد قراءة الفاتحة حتى يقرأها من خلفه، وليس في سكوته في هذا المحلِّ إلا هذا الحديث المختلف فيه كما رأيت. ولو كان يسكت هنا سكتة طويلة يدرك فيها المأموم قراءة الفاتحة لما خفي ذلك على الصحابة، ولكان معرفتهم به ونقلهم له أهم من سكتة الاستفتاح».