قالوا: وعليها أن تعتدَّ في المنزل الذي يُضاف إليها بالسُّكنى حالَ وقوع الفرقة.
قالوا: فإن كان نصيبها من دار الميِّت لا يكفيها، أو أخرجها الورثة من نصيبهم= انتقلتْ؛ لأنَّ هذا عذرٌ، والكون في بيتها عبادةٌ، والعبادة تسقط بالعذر.
قالوا: فإن عجزت عن كراء البيت الذي هي فيه لكثرته، فلها أن تنتقل إلى بيتٍ أقلَّ كراءً منه.
وهذا من كلامهم يدلُّ على أنَّ أجرة السَّكن عليها، وإنَّما يسقط السَّكنُ عنها لعجزها عن أجرته، ولهذا صرَّحوا بأنَّها تسكن في نصيبها١ من التَّركة إن كفاها، وهذا لأنَّه لا سكنى عندهم للمتوفَّى عنها، حاملًا كانت أو حائلًا، وإنَّما عليها أن تلزم مسكنَها الذي توفِّي زوجها وهي فيه ليلًا لا نهارًا، فإن٢ بذلَه لها الورثةُ وإلَّا كانت الأجرة عليها.
فهذا تحرير مذاهب النَّاس في هذه المسألة ومآخذ الخلاف فيها، وباللَّه التَّوفيق.
وقد أصاب فُرَيعةَ بنتَ مالك في هذا الحديث نظيرُ ما أصاب فاطمةَ بنت قيس في حديثها٣، فقال بعض المنازعين في هذه المسألة: لا نَدَعُ كتابَ ربِّنا
(١) م: «بيتها».
(٢) د، ز، م: «وإن».
(٣) تقدم تخريج الحديثين (ص ١٣٤، ص ١٢٠ - ١٢٤).
لقول امرأةٍ، فإنَّ الله سبحانه إنَّما أمرها بالاعتداد أربعة أشهرٍ وعشرًا، ولم يأمرها بالمنزل. وقد أنكرتْ عائشة أم المؤمنين وجوبَ المنزل، وأفتت المتوفَّى عنها بالاعتداد حيث شاءت، كما أنكرتْ حديثَ فاطمة بنت قيس، وأوجبت السُّكنى للمطلَّقة.
وقال بعض من نازع في حديث الفُريعة: قد قُتِل من الصَّحابة على عهد رسول الله ﷺ خلقٌ كثيرٌ يومَ أحدٍ ويومَ بئرِ مَعُونة ويومَ مُؤْتة وغيرها، واعتدَّ أزواجُهم بعدهم، فلو كان كلُّ امرأةٍ منهنَّ تُلازِم منزلَها زمنَ العدَّة لكان ذلك من أظهر الأشياء وأَبينِها، بحيث لا يخفى على من هو دون ابن عبَّاسٍ وعائشة، فكيف خفي هذا عليهما وعلى غيرهما من الصَّحابة الذين حُكِي أقوالُهم مع استمرار العمل به استمرارًا متتابعًا١؟ هذا من أبعد الأشياء. ثمَّ لو كانت السُّنَّة جاريةً بذلك لم تأتِ الفُريعة تستأذنه ﷺ أن تلحقَ بأهلها، ولمَّا أذِنَ لها في ذلك لم٢ يأمرْ بردِّها بعد ذهابها ويأمرْها بأن تمكث في بيتها، فلو كان ذلك أمرًا مستمرًّا ثابتًا لكان قد نَسَخ بإذنه لها في اللَّحاق بأهلها، ثمَّ نَسخ ذلك الإذنَ بأمره لها بالمكث في بيتها، فيفضي إلى تغيير الحكم مرَّتين، وهذا لا عهدَ لنا به في الشَّريعة في موضعٍ متيقَّنٍ.
قال الآخرون: ليس في هذا ما يوجب ردَّ هذه السُّنَّة الصَّحيحة الصَّريحة، الَّتي تلقَّاها أمير المؤمنين عثمان بن عفَّان وأكابر الصَّحابة بالقبول ونفَّذها عثمان وحكم بها، ولو كنَّا لا نقبل رواية النِّساء عن النَّبيِّ ﷺ لذهبتْ سننٌ كثيرةٌ من سنن الإسلام لا نَعرِف رواها عنه إلا النِّساء. وهذا كتاب الله ليس