فقالت١ زينب: كانت المرأة إذا توفِّي عنها زوجها دخلتْ حِفْشًا٢، ولبستْ شرَّ ثيابها، ولم تمسَّ طيبًا ولا شيئًا حتَّى تمرَّ بها سنةٌ، ثمَّ تُؤتى بدابَّةٍ ــ حمارٍ أو شاةٍ أو طيرٍ ــ فتفتضُّ به، فقلَّما تَفْتضُّ بشيءٍ إلا مات، ثمَّ تخرج فتُعطى بعرةً فترمي بها، ثمَّ تُراجِعُ بعدُ ما شاءتْ من طِيبٍ أو غيره. قال مالك: تَفْتضُّ به تَدْلُكُ به جلْدَها.
وفي «الصَّحيحين»٣ عن أم سلمة أنَّ امرأةً تُوفِّي عنها زوجها فخافوا على عينها، فأتوا النَّبيَّ ﷺ فاستأذنوه في الكحل، فقال رسول الله ﷺ: «قد كانت إحداكنَّ تكون في شرِّ بيتها في أحْلاسِها٤ ــ أو: في شرّ أحلاسها في بيتها ــ حولًا، فإذا مرَّ كلبٌ رَمَتْ ببعرةٍ فخرجت، فلا أقلَّ من٥ أربعة أشهرٍ وعشرًا».
وفي «الصَّحيحين»٦ عن أم عطية أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا تُحِدُّ امرأة على ميِّتٍ فوقَ ثلاثٍ إلا على زوجٍ أربعة أشهرٍ وعشرًا، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوبَ عصْبٍ٧، ولا تكتحل، ولا تمسُّ طيبًا إلا إذا طهرتْ نُبذةً
(١) قبلها في «الصحيحين»: «قال حميد: قلت لزينب: وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟».
(٢) في النسخ: «حشفا»، تحريف. والتصويب من «الصحيحين». والحِفْش: البيت الصغير، وقيل غير ذلك. انظر: «فتح الباري» (٩/ ٤٨٩).
(٣) البخاري (٥٣٣٨) ومسلم (١٤٨٨).
(٤) جمع حِلْس، والمراد: في شر ثيابها.
(٥) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «أفلا» كما عند مسلم. وفي البخاري: «فلا حتّى تمضي».
(٦) البخاري (٥٣٤١) ومسلم (٩٣٨).
(٧) هي برود اليمن يُعصب غزلها أي يُربط ثم يُصبغ ثم يُنسج معصوبًا فيخرج موشّى. وقيل غير ذلك. انظر: «الفتح» (٩/ ٤٩١).
من قُسْطٍ أو أَظْفارٍ١».
وفي «سنن أبي داود»٢ من حديث الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة، عن أم سلمة زوج النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «المتوفَّى عنها زوجُها لا تلبسُ المعصفرَ من الثِّياب ولا المُمَشَّقةَ٣ ولا الحُلِيَّ، ولا تكتحل، ولا تختضب».
وفي «سننه»٤ أيضًا من حديث ابن وهب، أخبرني مَخْرمة، عن أبيه قال سمعت المغيرة بن الضحاك يقول: أخبرتني أم حَكيم بنت أُسَيد، عن أمِّها:
(١) نوعان معروفان من البخور، وليسا من مقصود الطيب، رُخّص فيه لإزالة الرائحة الكريهة لا للتطيُّب.
(٢) برقم (٢٣٠٤). وأخرجه أحمد (٢٦٥٨١) والنسائي (٣٥٣٥) وابن حبان (٤٣٠٦). وقد روي موقوفًا على أم سلمة ﵂، أخرجه عبد الرزاق (١٢١١٤)، ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٤٤٠)، وفي «معرفة السنن والآثار» (١١/ ٢٢٣).
(٣) هي الثياب المصبوغة بالمِشْق أي المغَرة.
(٤) برقم (٢٣٠٥)، ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٤٤٠). وأخرجه النسائي في «المجتبى» (٣٥٣٧) وفي «الكبرى» (٥٧٠٠) والطبراني في «الكبير» (١١/ ٢٢٣)، وفي إسناده المغيرة بن الضحاك وأم حكيم وأمها، وكلهم مجاهيل. وله شاهد من حديث أم سلمة أيضًا، أخرجه مالك (١٧٥١، ١٧٥٧، ١٧٦١) بلاغًا، ومن طريقه الشافعي في «الأم» (٦/ ٥٨٧)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٤٤٠)، وهو منقطع، ويرى بعض الحفاظ أنه حديث واحد، فرَّقه بعض الرُّواة، كما سيأتي في كلام المصنف. والحديث حسَّنَه الحافظ ابن حجر في «البلوغ» (١١١٨)، وضعفه جمع من الحفاظ كابن حزم، وعبد الحق الإشبيلي، وابن الملقن، والمنذري، والألباني. وينظر: «المحلى» لابن حزم (١٠/ ٢٧٧) و«البدر المنير» لابن الملقن (٨/ ٢٤٠) و«ضعيف أبي داود» للألباني (٢/ ٢٤٥).