وفي «سنن أبي داود»٢ من حديث الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة، عن أم سلمة زوج النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «المتوفَّى عنها زوجُها لا تلبسُ المعصفرَ من الثِّياب ولا المُمَشَّقةَ٣ ولا الحُلِيَّ، ولا تكتحل، ولا تختضب».
وفي «سننه»٤ أيضًا من حديث ابن وهب، أخبرني مَخْرمة، عن أبيه قال سمعت المغيرة بن الضحاك يقول: أخبرتني أم حَكيم بنت أُسَيد، عن أمِّها:
(١) نوعان معروفان من البخور، وليسا من مقصود الطيب، رُخّص فيه لإزالة الرائحة الكريهة لا للتطيُّب.
(٢) برقم (٢٣٠٤). وأخرجه أحمد (٢٦٥٨١) والنسائي (٣٥٣٥) وابن حبان (٤٣٠٦). وقد روي موقوفًا على أم سلمة ﵂، أخرجه عبد الرزاق (١٢١١٤)، ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٤٤٠)، وفي «معرفة السنن والآثار» (١١/ ٢٢٣).
(٣) هي الثياب المصبوغة بالمِشْق أي المغَرة.
(٤) برقم (٢٣٠٥)، ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٤٤٠). وأخرجه النسائي في «المجتبى» (٣٥٣٧) وفي «الكبرى» (٥٧٠٠) والطبراني في «الكبير» (١١/ ٢٢٣)، وفي إسناده المغيرة بن الضحاك وأم حكيم وأمها، وكلهم مجاهيل. وله شاهد من حديث أم سلمة أيضًا، أخرجه مالك (١٧٥١، ١٧٥٧، ١٧٦١) بلاغًا، ومن طريقه الشافعي في «الأم» (٦/ ٥٨٧)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٤٤٠)، وهو منقطع، ويرى بعض الحفاظ أنه حديث واحد، فرَّقه بعض الرُّواة، كما سيأتي في كلام المصنف. والحديث حسَّنَه الحافظ ابن حجر في «البلوغ» (١١١٨)، وضعفه جمع من الحفاظ كابن حزم، وعبد الحق الإشبيلي، وابن الملقن، والمنذري، والألباني. وينظر: «المحلى» لابن حزم (١٠/ ٢٧٧) و«البدر المنير» لابن الملقن (٨/ ٢٤٠) و«ضعيف أبي داود» للألباني (٢/ ٢٤٥).
أنَّ زوجها توفِّي وكانت تشتكي عينَها١ فتكتحل بالجِلَاء٢. (قال أحمد بن صالح: الصَّواب: بكُحْلِ الجِلاء) فأرسلتْ مولاةً لها إلى أم سلمة، فسألتْها عن كُحْل الجِلاء فقالت: لا تكتحلي٣ به إلا من أمرٍ لا بدَّ منه يشتدُّ عليك، فتكتحلينَ باللَّيل وتمسحِينَه بالنَّهار. ثمَّ قالت عند ذلك أم سلمة: دخل عليَّ رسول الله ﷺ حين توفِّي أبو سلمة، وقد جعلتُ على [عيني]٤ صَبِرًا، فقال ما هذا يا أم سلمة؟ فقلت: هو صَبِرٌ يا رسول الله ليس فيه طيبٌ. قال: «إنَّه يَشُبُّ الوجه٥،
فلا تجعليه إلا باللَّيل وتنزِعيه بالنَّهار، ولا تمتشطي٦ بالطِّيب ولا بالحنَّاء، فإنَّه خضابٌ». قالت: قلت: بأيِّ شيءٍ أمتشط يا رسول اللَّه؟ قال: «بالسِّدر، تُغلِّفين به رأسَكِ».
وقد تضمَّنت هذه السنن أحكامًا عديدةً:
أحدها: أنَّه لا يجوز الإحداد على ميِّتٍ فوق ثلاثة أيَّامٍ كائنًا من كان إلا الزَّوج وحده. وتضمَّن الحديث الفرقَ بين الإحدادين من وجهين:
أحدهما: من جهة الوجوب والجواز، فإنَّ الإحداد على الزَّوج واجبٌ وعلى غيره جائزٌ.
الثَّاني: من مقدار مدَّة الإحداد، فالإحداد على الزَّوج عزيمةٌ وعلى غيره
(١) كذا في النسخ. وفي «السنن»: «عينيها».
(٢) هو الإثمد، وقيل غير ذلك. انظر: «النهاية» (١/ ٢٩٠).
(٣) في النسخ: «لا تكتحل». والتصويب من «السنن»، وهو الظاهر من السياق.