زاد المعاد

وأجاب النَّاس عن ذلك بأنَّ هذا حديثٌ منقطعٌ، فإنَّ عبد الله بن شدَّاد بن الهاد لم يسمع من رسول الله ﷺ ولا رآه، فكيف يُقدَّم حديثه على الأحاديث الصَّحيحة المسندة الَّتي لا مطعنَ فيها؟

وفي الحديث الثَّاني: الحجَّاج بن أرطاة، ولا يُعارَض بحديثه حديثُ الأئمَّة الأثبات الذين هم فرسان الحديث.

فصل

الحكم الثَّاني: أنَّ الإحداد تابعٌ للعدَّة بالشُّهور، وأمَّا الحامل فإذا انقضى حملها سقط وجوب الإحداد عنها اتِّفاقًا، فإنَّ لها أن تتزوَّج وتتجمَّل وتتطيَّب١ لزوجها وتتزيَّن له ما شاءت.

فإن قيل: فإذا زادت مدَّة الحمل على أربعة أشهرٍ وعشرٍ هل يسقط وجوب الإحداد أم يستمرُّ إلى حين الوضع؟

قيل: بل يستمرُّ الإحداد إلى حين الوضع، فإنَّه من توابع العدَّة، ولهذا قُيِّد بمدَّتها، وهو حكمٌ من أحكام العدَّة وواجبٌ من واجباتها، فكان معها وجودًا وعدمًا.

فصل

الحكم الثَّالث: أنَّ الإحداد يستوي فيه جميع الزَّوجات المسلمة والكافرة والحرَّة والأمة الصَّغيرة والكبيرة، هذا قول الجمهور: أحمد والشَّافعيِّ ومالك، إلا أنَّ أشهب وابن نافع قالا: لا إحدادَ على الذِّمِّيَّة. رواه

  1. (١) ص، د: «تطيب».
351

أشهب عن مالك١، وهو قول أبي حنيفة، ولا إحدادَ عنده على الصَّغيرة.

واحتجَّ أرباب هذا القول بأنَّ النَّبيَّ ﷺ جعل الإحداد من أحكام من يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا تدخل فيه الكافرة، ولأنَّها غير مكلَّفةٍ بأحكام الفروع.

قالوا: وعدولُه عن اللَّفظ العامِّ المطلق إلى الخاصِّ المقيَّد بالإيمان يقتضي أنَّ هذا من أحكام الإيمان ولوازمه وواجباته، فكأنَّه قال: من التزم الإيمان فهذا من شرائعه وواجباته.

والتَّحقيق: أنَّ نفْيَ حلِّ الفعل عن المؤمنين لا يقتضي نفْيَ حكمه عن الكفَّار، ولا إثباتَ الحلّ لهم أيضًا، وإنَّما يقتضي أنَّ من التزم الإيمانَ وشرائعه فهذا لا يحلُّ له، ويجب على كلِّ حالٍ أن يلزم الإيمانَ وشرائعه، ولكن لا يُلزِمه الشَّارع شرائعَ الإيمان إلا بعد دخوله فيه. وهذا كما لو قيل: لا يحلُّ لمؤمنٍ أن يترك الصَّلاة والزَّكاة والحجَّ، فهذا لا يدلُّ على أنَّ ذلك حلٌّ للكافر، وهذا كما قال في لباس الذهب٢: «لا ينبغي هذا للمتَّقين»٣، فلا يدلُّ على أنَّه ينبغي لغيرهم، وكذا قوله: «لا ينبغي للمؤمنِ أن يكون لعَّانًا»٤.

  1. (١) انظر: «المدونة» (٥/ ٤٣٠).
  2. (٢) كذا في جميع النسخ، وهو خطأ من المؤلف. والصواب: «الحرير» كما في «الصحيحين». وصوَّبه في المطبوع.
  3. (٣) أخرجه البخاري (٣٧٥) ومسلم (٢٠٧٥).
  4. (٤) أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (٣٠٩) والترمذي (٢٠١٩) والحاكم (١/ ٤٧) من حديث ابن عمر، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب». وأخرجه مسلم (٢٥٩٧) من حديث أبي هريرة بلفظ: «لصديق» بدل «للمؤمن».
352

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي