زاد المعاد

وسرُّ المسألة: أنَّ شرائع الحلال والحرام والإيجاب إنَّما شُرِعت لمن التزم أصلَ الإيمان، ومن لم يلتزمه وخُلِّي بينه وبين دينه فإنَّه يُخلَّى بينه وبين شرائع الدِّين الذي التزمه كما خلِّي بينه وبين أصله، ما لم يحاكم إلينا. وهذه القاعدة متَّفقٌ عليها بين العلماء، ولكن عذر الذين أوجبوا الإحداد على الذِّمِّيَّة أنَّه يتعلَّق به حقُّ الزَّوج المسلم، وكان في إلزامها به كأصل العدَّة، ولهذا لا يُلزِمونها به في عدَّتها من الذِّمِّيِّ، ولا يُتعرَّض لها فيها، فصار هذا كعقودهم مع المسلمين، فإنَّهم يُلزَمون فيها بأحكام الإسلام، وإنّا١ لم نتعرَّض لعقودهم مع بعضهم بعضًا. ومن ينازعهم في ذلك يقولون: الإحداد حقٌّ لله، ولهذا لو اتَّفقت هي والأولياء والمتوفَّى على سقوطه ــ بأن أوصاها بتركه ــ لم يسقط، ولزِمَها الإتيان به، فهو جارٍ مجرى العبادات، وليست الذِّمِّيَّة من أهلها، فهذا سرُّ المسألة.

فصل

الحكم الخامس٢: أنَّ الإحداد لا يجب على الأمة ولا أمِّ الولد إذا مات سيِّدهما٣، لأنَّهما ليسا بزوجين. قال ابن المنذر٤: لا أعلمهم يختلفون٥ في ذلك.

  1. (١) م: «وإذا».
  2. (٢) كذا في جميع النسخ. ولم يسبق ذكر الحكم الرابع.
  3. (٣) د، ز: «سيدها».
  4. (٤) كما في «المغني» (١١/ ٢٨٤). وانظر: «الأوسط» (٩/ ٥٦٥).
  5. (٥) ص، د، ز، م: «يخلفون».
353

فإن قيل: فهل لهما أن تُحِدَّان١ ثلاثة أيَّامٍ؟

قيل: نعم لهما ذلك، فإنَّ النَّصَّ إنَّما حرَّم الإحداد فوق الثَّلاث على غير الزَّوج، وأوجبه أربعة أشهرٍ وعشرًا على الزَّوج، فدخلت الأمة وأمُّ الولد فيمن يحلُّ له الإحدادُ، لا فيمن يحرم عليهنَّ، ولا فيمن يجب.

فإن قيل: فهل يجب على المعتدَّة من طلاقٍ، أو وطءِ شبهةٍ، أو زنًا، أو استبراءٍ إحدادٌ؟

قلنا: هذا هو الحكم السادس الذي دلَّت عليه السُّنَّة، أنَّه لا إحدادَ على واحدةٍ من هؤلاء؛ لأنَّ السُّنَّة أثبتتْ ونفتْ، فخصَّت بالإحداد الواجب الزَّوجاتِ وبالجائز غيرَهنَّ على الأموات خاصَّةً، وما عداهما فهو داخلٌ في حكم التَّحريم على الأموات، فمن أين لكم دخولُه في الإحداد على المطلَّقة البائن٢؟ وقد قال سعيد بن المسيب وأبو عبيد وأبو ثورٍ وأبو حنيفة وأصحابه والإمام أحمد ــ في إحدى الرِّوايتين عنه اختارها الخرقي ــ: إنَّ البائن يجب عليها الإحداد، وهذا محض القياس؛ لأنَّها معتدَّةٌ بائنٌ من نكاحٍ، فلزمها الإحداد كالمتوفَّى عنها، لأنَّهما اشتركا في العدَّة واختلفا في سببها، ولأنَّ العدَّة تُحرِّم النِّكاحَ فحرمت دواعيه.

قالوا: ولا ريبَ أنَّ الإحداد معقول المعنى، وهو أنَّ إظهار الزِّينة والطِّيب والحُليِّ ممَّا يدعو المرأةَ إلى الرِّجال ويدعو الرِّجالَ إليها، فلا يُؤمَن

  1. (١) كذا بإثبات النون في جميع النسخ.
  2. (٢) في النسخ: «والبائن». والصواب حذف الواو، فإن المطلقة الرجعيّة لا إحداد عليها اتفاقًا، كما سيأتي في كلام المؤلف.
354

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي