زاد المعاد

فإن قيل: فهل لهما أن تُحِدَّان١ ثلاثة أيَّامٍ؟

قيل: نعم لهما ذلك، فإنَّ النَّصَّ إنَّما حرَّم الإحداد فوق الثَّلاث على غير الزَّوج، وأوجبه أربعة أشهرٍ وعشرًا على الزَّوج، فدخلت الأمة وأمُّ الولد فيمن يحلُّ له الإحدادُ، لا فيمن يحرم عليهنَّ، ولا فيمن يجب.

فإن قيل: فهل يجب على المعتدَّة من طلاقٍ، أو وطءِ شبهةٍ، أو زنًا، أو استبراءٍ إحدادٌ؟

قلنا: هذا هو الحكم السادس الذي دلَّت عليه السُّنَّة، أنَّه لا إحدادَ على واحدةٍ من هؤلاء؛ لأنَّ السُّنَّة أثبتتْ ونفتْ، فخصَّت بالإحداد الواجب الزَّوجاتِ وبالجائز غيرَهنَّ على الأموات خاصَّةً، وما عداهما فهو داخلٌ في حكم التَّحريم على الأموات، فمن أين لكم دخولُه في الإحداد على المطلَّقة البائن٢؟ وقد قال سعيد بن المسيب وأبو عبيد وأبو ثورٍ وأبو حنيفة وأصحابه والإمام أحمد ــ في إحدى الرِّوايتين عنه اختارها الخرقي ــ: إنَّ البائن يجب عليها الإحداد، وهذا محض القياس؛ لأنَّها معتدَّةٌ بائنٌ من نكاحٍ، فلزمها الإحداد كالمتوفَّى عنها، لأنَّهما اشتركا في العدَّة واختلفا في سببها، ولأنَّ العدَّة تُحرِّم النِّكاحَ فحرمت دواعيه.

قالوا: ولا ريبَ أنَّ الإحداد معقول المعنى، وهو أنَّ إظهار الزِّينة والطِّيب والحُليِّ ممَّا يدعو المرأةَ إلى الرِّجال ويدعو الرِّجالَ إليها، فلا يُؤمَن

  1. (١) كذا بإثبات النون في جميع النسخ.
  2. (٢) في النسخ: «والبائن». والصواب حذف الواو، فإن المطلقة الرجعيّة لا إحداد عليها اتفاقًا، كما سيأتي في كلام المؤلف.
354

أن تكذب في انقضاء عدَّتها استعجالًا لذلك، فمُنِعت من دواعي ذلك وسُدَّت إليه الذَّريعةُ. هذا مع أنَّ الكذب في عدَّة١ الوفاة يتعذَّر غالبًا، بظهور موت الزَّوج وكونِ العدَّة أيَّامًا معدودةً، بخلاف عدَّة الطَّلاق فإنَّها بالأقراء، وهي لا تُعلَم إلا من جهتها، فكان الاحتياط لها أولى.

قيل: قد أنكر الله سبحانه على من حرَّم زينته الَّتي أخرج لعباده والطَّيِّبات من الرِّزق، وهذا يدلُّ على أنَّه لا يجوز أن يُحرَّم من الزِّينة إلا ما حرَّمه الله ورسوله، والله سبحانه قد حرَّم على لسان رسوله زينةَ الإحداد على المتوفَّى عنها مدَّةَ العدَّة، وأباح رسوله الإحدادَ بتركها على غير الزَّوج، فلا يجوز تحريمُ غيرِ ما حرَّمه، بل هو على أصل الإباحة.

وليس الإحداد من لوازم العدَّة ولا توابعها، ولهذا لا يجب على الموطوءة بشبهةٍ، ولا المَزْنيِّ بها، ولا المستبرأةِ، ولا الرَّجعيَّةِ اتِّفاقًا. وهذا القياس أولى من قياسها على المتوفَّى عنها، لما بين العدَّتين من الفروق٢ قدرًا وسببًا وحكمًا، فإلحاق عدَّة الأقراء بالأقراء أولى من إلحاق عدَّة الأقراء بعدَّة الوفاة.

وليس المقصود من الإحداد على الزَّوج الميِّت مجرَّد ما ذكرتم من طلب الاستعجال، فإنَّ العدَّة فيه لم تكن لمجرَّد٣ العلم ببراءة الرَّحم، ولهذا تجب قبل الدُّخول، وإنَّما هو من تعظيم هذا العقد، وإظهارِ خَطَرِه وشَرَفِه، وأنَّه عند الله بمكانٍ، فجُعِلت العدَّة حريمًا له، وجُعِل الإحداد من

  1. (١) في النسخ: «هذه»، تحريف.
  2. (٢) في المطبوع: «القروء»، تحريف.
  3. (٣) في النسخ: «بمجرد». والمثبت يناسب السياق.
355

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي