إن كانت مع المشتري في دارٍ، وهو الذَّابُّ عنها والنَّاظر في أمرها، أجزأه ذلك، سواءٌ كانت تخرج أو لا تخرج.
ومن ذلك: إذا كان سيِّد الأمة غائبًا، فحين قدِمَ اشتراها منه رجلٌ قبل أن تخرج، أو خرجت وهي حائضٌ، فاشتراها قبل أن تطهر، فلا استبراء عليه.
ومن ذلك: إذا بيعت وهي حائضٌ في أوَّل حيضها، فالمشهور من مذهبه أنَّ ذلك يكون استبراءً لها، لا يحتاج إلى حيضةٍ مستأنفةٍ.
ومن ذلك: الشَّريك يشتري نصيبَ شريكه من الجارية وهي تحت يد المشتري منهما، وقد حاضت في يده، فلا استبراء عليه.
وهذه الفروع كلُّها من مذهبه تُنبِئك عن مأخذه في الاستبراء، وأنَّه إنَّما يجب حيث لا تُعلم ولا تُظنُّ براءة الرَّحم، فإن عُلِمتْ أو ظُنَّت فلا استبراء. وقد قال أبو العبَّاس ابن سُريجٍ١ وأبو العباس ابن تيمية٢: إنَّه لا يجب استبراء البكر، كما صحَّ عن ابن عمر٣. وبقولهم نقول، وليس عن النَّبيِّ ﷺ نصٌّ عامٌّ في وجوب استبراء كلِّ من تجدَّد له عليها ملكٌ على أيِّ حالةٍ كانت، وإنَّما نهى عن وطء السَّبايا حتَّى تضع حواملُهنَّ، ويحِضن٤ حوائلُهنَّ.
(١) كما في «روضة الطالبين» (٨/ ٤٢٧).
(٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (١٩/ ٢٥٥، ٣٤/ ٧٠، ٧١).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٢٩٠٦)، وابن أبي شيبة (١٦٨٨٦)، وأصله في «صحيح البخاري» معلقًا (٤/ ٤٢٣ - الفتح).
(٤) كذا في النسخ على لغة: «أكلوني البراغيث».
فإن قيل: فعمومه يقتضي تحريم وطء أبكارهنَّ قبل الاستبراء، كما يمنع وطء الثَّيِّب؟
قيل: نعم، وغايته أنَّه١ عمومٌ أو إطلاقٌ ظهر القصد منه، فيُخَصُّ أو يُقيَّد عند انتفاء موجب الاستبراء، ويُخَصُّ أيضًا بمفهوم قوله ﷺ في حديث رُوَيفِع: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكح ثيِّبًا من السَّبايا حتَّى تحيض»٢، ويُخَصُّ أيضًا بمذهب الصَّحابيِّ، ولا يُعلَم له مخالفٌ.
وفي «صحيح البخاريِّ»٣ من حديث بُريدة قال: بعث رسول الله ﷺ عليًّا إلى خالد ــ يعني باليمن٤ ــ ليقبض الخُمس، فاصطفى عليٌّ منها صبيَّةً٥، فأصبح وقد اغتسل، فقلت لخالد: أما ترى إلى هذا؟ وفي روايةٍ٦: فقال خالد لبريدة: ألا ترى ما صنع هذا؟ قال بريدة: وكنت أُبغِض عليًّا، فلمَّا قدمنا إلى النَّبيِّ ﷺ ذكرت له ذلك، فقال: «يا بريدة، أتبغض عليًّا؟»، قلت: نعم، قال: «لا تُبغِضْه، فإنَّ له في الخمسِ أكثرَ من ذلك».
فهذه الجارية إمَّا أن تكون بِكرًا فلم يرَ عليٌّ وجوب استبرائها، وإمَّا أن تكون في آخر حيضها، فاكتفى بالحيضة قبلَ تملُّكه لها. وبكلِّ حالٍ، فلا بدَّ أن
(١) «أنه» ليست في د.
(٢) تقدم تخريجه (ص ٣٧٣).
(٣) برقم (٤٣٥٠).
(٤) في المطبوع: «باليمين»، تحريف.
(٥) كذا في جميع النسخ. وليس هذا اللفظ عند البخاري. وذكر الحافظ في «الفتح» (٨/ ٦٦) أن في رواية للإسماعيلي: «سبيئة» أي جارية من السبي.