ينفيه الحديث ولا يُثبته. لكن لمنازعيه أن يقولوا: لمَّا اتَّفقنا على أنَّه لا يكفي أن يكون بعضها في مِلك المشتري وبعضها في مِلك البائع، إذا كان أكثرها عند البائع، عُلِم أنَّ الحيضة المعتبرة أن تكون وهي عند المشتري، ولهذا لو حاضت عند البائع لم يكن ذلك [كافيًا]١ في الاستبراء.
ومن قال بقول مالك يجيب عن هذا: بأنَّها إذا حاضت قبل البيع وهي مُودَعةٌ عند المشتري، ثمَّ باعها عقيبَ الحيضة، ولم تخرج من بيته= اكتفَى بتلك الحيضة، ولم يجب على المشتري استبراءٌ ثانٍ. وهذا أحد القولين في مذهب مالك كما تقدَّم، فهو يُجوِّز أن يكون الاستبراء واقعًا قبل البيع في صورٍ، منها هذه، ومنها إذا وُضِعت للاستبراء عند ثالثٍ، فاستبرأها، ثمَّ بيعت بعده.
قال في «الجواهر»٢: ولا يُجزئ الاستبراء قبل البيع إلا في حالاتٍ:
منها: أن تكون تحت يده للاستبراء أو بالوديعة، فتحيض عنده، ثمَّ يشتريها٣ حينئذٍ أو بعد أيَّامٍ، وهي لا تخرج، ولا يدخل عليها سيِّدها.
ومنها: أن يشتريها ممَّن هو ساكنٌ معه من زوجته أو ولدٍ له صغيرٍ في عِياله، وقد حاضت، فابن القاسم يقول: إن كانت لا تخرج أجزأه ذلك. وقال أشهب: إن كانت معه في دارٍ وهو الذَّابُّ عنها والنَّاظر في أمرها فهو استبراءٌ، كانت تخرج أو لا تخرج.
(١) ليست في النسخ، زيدت ليستقيم السياق.
(٢) «عقد الجواهر» (٢/ ٢٨٢).
(٣) م، ز: «يستبرئها».
ومنها: إذا كان سيِّدها غائبًا، فحين قدِمَ اشتراها١ قبل أن تخرج، أو خرجت وهي حائضٌ فاشتراها منه قبل أن تطهر.
ومنها: الشَّريك يشتري نصيبَ شريكه من الجارية وهي تحت يد المشتري منهما، وقد حاضت في يده.
وقد تقدَّمت هذه المسائل٢، فهذه وما في معناها تضمَّنت الاستبراء قبل البيع، واكتفى به مالك عن استبراءٍ ثانٍ.
فإن قيل: فكيف يجتمع قوله هذا وقوله: إنَّ الحيضة إذا وُجِد معظمها عند البائع لم يكن استبراءً؟
قيل: لا تناقضَ بينهما، وهذه لها موضعٌ، وهذه لها موضعٌ، فكلُّ موضعٍ يحتاج فيه المشتري إلى استبراءٍ مستقلٍّ لا يُجزئ إلا حيضةٌ، لم يوجد معظمها عند البائع، وكلُّ موضعٍ لا يحتاج فيه إلى استبراءٍ مستقلٍّ لا يحتاج فيه إلى حيضةٍ ولا بعضها، والاعتبار٣ بالاستبراء قبلَ البيع كهذه الصُّور ونحوها.
فصل
الحكم الرَّابع: أنَّها إذا كانت حاملًا فاستبراؤها بوضع الحمل، وهذا كما أنَّه حكمُ النَّصِّ فهو مجمعٌ عليه بين الأمَّة.
(١) أي شخص من سيِّدها. وفي ص، د، م: «استبرأها»، خطأ. والمثبت من المصدر السابق.
(٢) (ص ٣٧٧، ٣٧٨).
(٣) في المطبوع: «ولا اعتبار» خلاف النسخ، وهو خطأ يقلب المعنى.