زاد المعاد

قال: «لا يحلُّ لأحدٍ أن يَسقِيَ ماءه زرعَ غيرِه، ولا يقع على أَمَةٍ حتَّى تحيضَ أو يتبيَّنَ حملُها». فجعل وجود الحيض علمًا على براءة الرَّحم من الحمل.

قالوا: وقد رُوي عن علي ﵁ أنَّه قال: إنَّ الله رفعَ الحيضَ عن الحبلى، وجعل الدَّمَ ممَّا تَغِيضُ الأرحام. وقال ابن عبَّاسٍ: إنَّ الله رفعَ الحيضَ عن الحبلى، وجعلَ الدَّم رزقًا للولد١. رواهما أبو حفص بن شاهين.

قالوا: وروى الأثرم٢ والدَّارقطنيُّ٣ بإسنادهما عن عائشة في الحامل ترى الدَّم، فقالت: الحامل لا تحيض، وتغتسلُ وتُصلِّي. وقولها: «تغتسل» بطريق النَّدب، لكونها مستحاضةً.

قالوا: ولا يُعرف عن غيرهم خلافهم، لكنَّ عائشة قد ثبت عنها أنَّها قالت: الحامل لا تُصلِّي٤. وهذا محمولٌ على ما تراه قريبًا من الولادة باليومين ونحوهما، وأنَّه نفاسٌ جمعًا بين قوليها.

قالوا: ولأنَّه دمٌ لا تنقضي به العدَّة، فلم يكن حيضًا كالاستحاضة. وحديث عائشة يدلُّ على أنَّ الحائض قد تَحْبَلُ، ونحن نقول بذلك، لكنَّه يقطع حيضها ويرفعه.

  1. (١) لم أقف عليهما. وقد ذكرهما ابن التركماني في «الجوهر النقي» (٧/ ٤٢٤)، وعزاهما إلى ابن شاهين.
  2. (٢) لم أقف عليه في «السنن» للأثرم.
  3. (٣) «السنن» (١/ ٤٠٧). وقد تقدم تخريجه والكلام عليه (ص ٣٩٩).
  4. (٤) أي: إذا رأت الدم، كما تقدم تخريجه (ص ٤٠٠).
403

قالوا: ولأنَّ الله سبحانه أجرى العادة بانقلاب دمِ الطَّمْث لبنًا غذاءً للولد، فالخارج وقتَ الحملِ يكون غيرَه، فهو دم فسادٍ.

قال المحيِّضون: لا نزاعَ أنَّ الحائض١ قد ترى الدَّم على عادتها، ولا سيَّما في أوَّل حملها، وإنَّما النِّزاع في حكم هذا الدَّم لا في وجوده. وقد كان حيضًا قبل الحمل بالاتِّفاق، فنحن نستصحب حُكمَه حتَّى يأتي ما يرفعه بيقينٍ.

قالوا: والحكم إذا ثبت في محلٍّ فالأصل بقاؤه حتَّى يأتي ما يرفعه، فالأوَّل استصحابٌ لحكم الإجماع في محلِّ النِّزاع، والثَّاني استصحابٌ للحكم الثَّابت في المحلِّ حتَّى يتحقَّق ما يرفعه، والفرق بينهما ظاهرٌ.

قالوا: وقد قال النَّبيُّ ﷺ: «إذا كان دم الحيض فإنَّه أسود يُعرَف»٢. وهذا أسود يُعرَف، فكان حيضًا.

  1. (١) كذا في جميع النسخ، وفي المطبوع: «الحامل». وكلاهما محتمل، والمعنى مفهوم بقوله: «لاسيما في أول حملها». أي: أن المرأة التي تحيض قد ترى الدم على عادتها في أول حملها.
  2. (٢) أخرجه أبو داود (٢٨٦) والنسائي (٣٦٢) وابن حبان (٤/ ١٨٠) والحاكم (١/ ٢٨١) من طريق محمد بن عمرو بن علقمة عن الزهري عن عروة عن فاطمة بنت أبي حبيش، وصححه ابن حزم وابن الصلاح والألباني، وأصل الحديث في البخاري (٣٠٦) ومسلم (٣٣٣) دون هذه اللفظة، وقد أعلها أبو حاتم كما في «العلل» لابنه (١١٧)، والدارقطني في «العلل» (٣٤٤٩) لتفرد محمد بن عمرو بها عن الزهري، وينظر: «البدر المنير» لابن الملقن (٣/ ١١٤) و«صحيح أبي داود» للألباني (٢/ ٩٥).
404

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي