زاد المعاد

ذِكْر أحكامه ﷺ في البيوع

ذِكْر حكمه فيما يحرم بيعه

ثبت في «الصَّحيحين»١ من حديث جابر بن عبد الله أنَّه سمع النَّبيَّ ﷺ يقول: «إنَّ الله ورسوله حرَّم بيعَ الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام». فقيل: يا رسول الله، أرأيتَ شحومَ الميتة، فإنه يُطلى بها السُّفُن، ويُدهن بها الجلود، ويَستصبح بها النَّاس؟ فقال: «لا، هو حرامٌ». ثمَّ قال رسول الله ﷺ عند ذلك: «قاتلَ الله اليهودَ! إنَّ الله لمَّا حرَّم عليهم الشُّحومَ جمَلُوه٢، ثمَّ باعوه فأكلوا ثمنَه».

وفيهما٣ أيضًا عن ابن عبَّاسٍ قال: بلغ عمرَ أنَّ سَمُرةَ باع خمرًا، فقال: قاتلَ الله سمرة! ألم يعلم أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لعنَ الله اليهودَ! حُرِّمت عليهم الشُّحوم، فجَمَلوها فباعوها».

فهذا من مسند عمر، وقد رواه البيهقي٤ والحاكم في «صحيحه»٥

  1. (١) البخاري (٢٢٣٦)، ومسلم (١٥٨١).
  2. (٢) أي أذابُوه.
  3. (٣) البخاري (٢٢٢٣)، ومسلم (١٥٨٢).
  4. (٤) «السنن الكبرى» (٩/ ٣٥٣). وأخرجه أيضًا أحمد (٢٢٢١، ٢٦٧٨، ٢٩٦١)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (٢/ ١٤٧)، وأبو داود في «سننه» (٣٤٨٨)، والطبراني في «الكبير» (١٢/ ٢٠٠)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٩٣٨).
  5. (٥) لم أقف عليه فيه من حديث ابن عباس، وإنما أخرجه بنحوه من حديث أسامة بن زيد (٤/ ١٩٤). ولعل المؤلف أراد: «ابن حبان في صحيحه» فأخطأ.
419

فجعلاه١ من مسند ابن عبَّاسٍ، وفيه زيادةٌ، ولفظه: عن ابن عبَّاسٍ قال: كان النَّبيُّ ﷺ في المسجد ــ يعني الحرام ــ فرفع بصره إلى السَّماء فتبسَّم، وقال: «لعن الله اليهودَ، لعن الله اليهودَ، لعن الله اليهودَ! إنَّ الله ﷿ حرَّم عليهم الشُّحوم، فباعوها، وأكلوا أثمانها، إنَّ الله إذا حرَّم على قومٍ أكلَ شيءٍ حرَّم عليهم ثمنَه». وإسناده صحيحٌ، فإنَّ البيهقي رواه عن ابن عبدان، عن الصفّار، عن إسماعيل القاضي، حدَّثنا ابن منهال، حدَّثنا يزيد بن زُريع، حدَّثنا خالدٌ الحذَّاء، عن بَرَكةَ أبي الوليد، عن ابن عبَّاسٍ.

وفي «الصَّحيحين»٢ من حديث أبي هريرة نحوه، دون قوله: «إنَّ الله إذا حرَّم أكْلَ شيءٍ حرَّم ثمنَه».

فاشتملت هذه الكلمات الجوامع على تحريم ثلاثة أجناسٍ: مشارب تُفسِد العقول، ومطاعم تُفسِد الطِّباع وتغذِّي غذاءً خبيثًا، وأعيانٍ تُفسِد الأديان وتدعو إلى الفتنة والشِّرك.

فصانَ بتحريم النَّوع الأوَّل العقولَ عمَّا يُزِيلها ويُفسِدها، وبالثَّاني: القلوبَ عمَّا يُفسِدها من وصول أثر الغذاء الخبيث إليها، والغاذي شبيهٌ بالمغتذي، وبالثَّالث: الأديانَ عمَّا وُضِع لإفسادها. فتضمَّن هذا التَّحريمُ صيانةَ العقول والقلوب والأديان.

ولكنَّ الشَّأن في معرفة حدود كلامه ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ وما يدخل فيه، وما لا يدخل فيه، ليستبين عمومُ كلماته وجمعُها، وتناولُها لجميع

  1. (١) في النسخ: «فجعلناه»، خطأ.
  2. (٢) البخاري (٢٢٤٠) ومسلم (١٥٨٣).
420

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي