زاد المعاد

الأنواع الَّتي شَمِلَها١ عمومُ لفظِه أو معناه، وهذه خاصِّيَّة الفهم عن الله ورسوله الذي تفاوتَتْ٢ فيه العلماء، ويؤتيه الله من يشاء.

فأمَّا تحريم بيع الخمر، فيدخل فيه تحريم بيع كلِّ مسكرٍ، مائعًا كان أو جامدًا، عصيرًا أو مطبوخًا، فيدخل فيه عصير العنب، وخمر الزَّبيب والتَّمرِ والذُّرَة والشَّعيرِ والعسل والحنطة، واللُّقَيمة الملعونة٣ لُقَيمة الفسق والقلب الَّتي تُحرِّك القلبَ السَّاكن إلى أخبث الأماكن، فإنَّ هذا كلَّه خمرٌ بنصِّ رسول الله ﷺ الصَّحيح الصَّريح الذي لا مطعنَ في سنده، ولا إجمالَ في متنه، إذ صحَّ عنه قوله: «كلُّ مُسكرٍ خمرٌ»٤، وصحَّ عن أصحابه الذين هم أعلمُ الأمَّة بخطابه ومراده: أنَّ الخمر ما خامر العقلَ.

فدخولُ هذه الأنواع تحت اسم «الخمر» كدخول جميع أنواع الذَّهب والفضَّة والبُرِّ والشَّعير والتَّمر والزَّبيب تحت قوله: «لا تبيعوا الذَّهب بالذَّهب، والفضَّة بالفضَّة، والبُرَّ بالبرِّ، والشَّعير بالشَّعير، والتَّمر بالتَّمر، والزبيب بالزبيب٥، إلا مثلًا بمثلٍ»٦. فكما لا يجوز إخراج صنفٍ من هذه

  1. (١) بعدها في المطبوع: «عموم كلماته وتأويلها بجميع الأنواع التي شملها» وليست في النسخ، وهي تكرار بلا فائدة.
  2. (٢) في المطبوع: «التي تفاوت» خلاف النسخ.
  3. (٣) أي من النباتات المسكرة التي توضع في الفم وتُمضغ، مثل الحشيش والقنَّب والبَنْج وغيرها.
  4. (٤) أخرجه مسلم (٢٠٠٣) من حديث ابن عمر ﵄.
  5. (٥) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «والملح بالملح». وهكذا الرواية.
  6. (٦) أخرجه مسلم (١٥٨٧) من حديث عبادة بن الصامت بنحوه إلا قوله «والزبيب بالزبيب»، وهي عند أبي عوانة في «مستخرجه» (٥٤٠١) من حديث أبي هريرة، وعند الطبراني في «الصغير» (١٧٨) و«الأوسط» (٢٢٩٣) من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
421

الأصناف عن تناول اسمه له، فهكذا لا يجوز إخراج صنفٍ من أصناف المسكر عن اسم الخمر، فإنَّه يتضمَّن محذورين:

أحدهما: أن يُخرَج من كلامه ما قصد دخوله فيه.

والثَّاني: أن يُشرَع لذلك النَّوع الذي أُخرِج حكمٌ غير حكمه، فيكون تغييرًا لألفاظ الشَّارع ومعانيه، فإنَّه إذا سمَّى ذلك النَّوع بغير الاسم الذي سمَّاه به الشَّارع أزال عنه حكمَ ذلك المسمَّى، وأعطاه حكمًا آخر.

ولمَّا علم النَّبيُّ ﷺ من أمَّته من يُبتلى بهذا ــ كما قال: «ليشربنَّ ناسٌ من أمَّتي الخمرَ يُسمُّونها بغير اسمها»١ ــ قضى قضيَّةً كلِّيَّةً عامَّةً لا يتطرَّق إليها إجمالٌ ولا احتمالٌ، بل هي شافيةٌ كافيةٌ، فقال: «كلُّ مسكرٍ خمرٌ». هذا، ولو أنَّ أبا عبيدة والخليل وأضرابهما من أئمَّة اللُّغة ذكروا هذه الكلمة هكذا لقالوا: قد نصَّ أئمَّة اللُّغة على أنَّ كلَّ مسكرٍ خمرٌ، وقولهم حجَّةٌ. وسيأتي إن شاء الله عند ذكر هديه في الأطعمة والأشربة مزيدُ تقريرٍ لهذا٢، وأنَّه لو لم يتناوله لفظه لكان القياس الصَّريح الذي استوى فيه الأصل والفرع من كلِّ وجهٍ حاكمًا بالتَّسوية بين أنواع المسكر في تحريم البيع والشُّرب، فالتَّفريق بين نوعٍ ونوعٍ تفريقٌ بين متماثلين من جميع الوجوه.

  1. (١) أخرجه أحمد (٢٢٩٠٠) وأبو داود (٣٦٨٨) والنسائي (٥٦٥٨) وابن ماجه (٤٠٢٠) من حديث أبي مالك الأشعري ﵁، وصححه ابن حبان (٦٧٥٨).
  2. (٢) لم يأتِ ذكره، وهذا يدلّ على أن المؤلف لم يُتمَّ الكتاب كما أراد.
422

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي