الأصناف عن تناول اسمه له، فهكذا لا يجوز إخراج صنفٍ من أصناف المسكر عن اسم الخمر، فإنَّه يتضمَّن محذورين:
أحدهما: أن يُخرَج من كلامه ما قصد دخوله فيه.
والثَّاني: أن يُشرَع لذلك النَّوع الذي أُخرِج حكمٌ غير حكمه، فيكون تغييرًا لألفاظ الشَّارع ومعانيه، فإنَّه إذا سمَّى ذلك النَّوع بغير الاسم الذي سمَّاه به الشَّارع أزال عنه حكمَ ذلك المسمَّى، وأعطاه حكمًا آخر.
ولمَّا علم النَّبيُّ ﷺ من أمَّته من يُبتلى بهذا ــ كما قال: «ليشربنَّ ناسٌ من أمَّتي الخمرَ يُسمُّونها بغير اسمها»١ ــ قضى قضيَّةً كلِّيَّةً عامَّةً لا يتطرَّق إليها إجمالٌ ولا احتمالٌ، بل هي شافيةٌ كافيةٌ، فقال: «كلُّ مسكرٍ خمرٌ». هذا، ولو أنَّ أبا عبيدة والخليل وأضرابهما من أئمَّة اللُّغة ذكروا هذه الكلمة هكذا لقالوا: قد نصَّ أئمَّة اللُّغة على أنَّ كلَّ مسكرٍ خمرٌ، وقولهم حجَّةٌ. وسيأتي إن شاء الله عند ذكر هديه في الأطعمة والأشربة مزيدُ تقريرٍ لهذا٢، وأنَّه لو لم يتناوله لفظه لكان القياس الصَّريح الذي استوى فيه الأصل والفرع من كلِّ وجهٍ حاكمًا بالتَّسوية بين أنواع المسكر في تحريم البيع والشُّرب، فالتَّفريق بين نوعٍ ونوعٍ تفريقٌ بين متماثلين من جميع الوجوه.
(١) أخرجه أحمد (٢٢٩٠٠) وأبو داود (٣٦٨٨) والنسائي (٥٦٥٨) وابن ماجه (٤٠٢٠) من حديث أبي مالك الأشعري ﵁، وصححه ابن حبان (٦٧٥٨).
(٢) لم يأتِ ذكره، وهذا يدلّ على أن المؤلف لم يُتمَّ الكتاب كما أراد.
فصل
وأمَّا تحريم بيع الميتة، فيدخل فيه كلُّ ما يسمَّى ميتةً، سواءٌ مات حتْفَ أنفِه، أو ذُكِّي ذكاةً لا تفيد حلَّه، ويدخل فيه أبعاضُها أيضًا. ولهذا استشكل الصَّحابة تحريم بيع الشَّحم١، مع ما لهم فيه من المنفعة، فأخبرهم النَّبيُّ ﷺ أنَّه حرامٌ، وإن كان فيه ما ذكروا من المنفعة.
وهذا موضعٌ اختلف النَّاس فيه؛ لاختلافهم في فهم مراده ﷺ، وهو أنَّ قوله: «لا، هو حرامٌ»٢ هل هو عائدٌ إلى البيع، أو عائدٌ إلى الأفعال الَّتي سألوا عنها؟ فقال شيخنا٣: هو راجعٌ إلى البيع؛ فإنَّه ﷺ لمَّا أخبرهم أنَّ الله حرَّم بيع الميتة قالوا: إنَّ في شحومها من المنافع كذا وكذا، يَعْنُون: فهل ذلك مُسوِّغٌ لبيعها؟ فقال: «لا، هو حرامٌ».
قلت: كأنَّهم طلبوا تخصيصَ الشُّحوم من جملة الميتة بالجواز، كما طلب العبَّاس تخصيصَ الإِذخِر من جملة تحريم نبات الحرم بالجواز٤، فلم يُجِبهم إلى ذلك، فقال: «لا، هو حرامٌ».
وقال غيره من أصحاب أحمد وغيرهم: التَّحريم عائدٌ إلى الأفعال المسؤول عنها، وقال: هو حرامٌ، ولم يقل: هي؛ لأنَّه أراد المذكور جميعه. ويرجِّح قولَهم عودُ الضَّمير إلى أقرب مذكورٍ، ويرجِّحه من جهة المعنى أنَّ
(١) م، ح: «الخمر»، خطأ.
(٢) تقدم تخريجه (ص ٤١٩).
(٣) لم أجد كلامه في كتبه المطبوعة.
(٤) كما في الحديث الذي أخرجه البخاري (١٣٤٩) ومسلم (١٣٥٣) عن ابن عباس ﵄.