أهل العلم: إنَّ شعور الميتة وأصوافها وأوبارها طاهرةٌ إذا كانت من حيوانٍ طاهرٍ، هذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبلٍ والليث والأوزاعيِّ والثَّوريِّ وداود وابن المنذر والمزني، ومن التَّابعين: الحسن١، وابن سيرين٢، وأصحاب عبد الله بن مسعودٍ٣.
وانفرد الشَّافعيُّ بالقول بنجاستها، واحتجَّ له بأنَّ اسم الميتة يتناولها كما يتناول سائرَ أجزائها بدليل الأثر والنَّظر:
أمَّا الأثر، ففي «الكامل»٤ لابن عديٍّ من حديث ابن عمر يرفعه: «ادْفِنوا الأظفارَ والدَّم والشَّعر، فإنَّها ميتةٌ».
وأمَّا النَّظر، فلأنه متَّصلٌ بالحيوان ينمو بنمائه، فنَجِسَ٥ بالموت كسائر أعضائه. وبأنَّه شعرٌ نابتٌ في محلٍّ نجسٍ فكان نجسًا كشعر الخنزير، وهذا لأنَّ ارتباطه بأصله خلقةً يقتضي أن يثبت له حكمه تبعًا، فإنَّه محسوبٌ منه عرفًا، والشَّارع أجرى الأحكام فيه على وفق ذلك، فأوجب غَسْلَه في
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٥٣٩٥).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٢٠٥)، وابن أبي شيبة (٢٥٣٩٣).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٥٣٩٧) عن إبراهيم النخعي، وفي إسناده عمران القطان، وهو ضعيف.
(٤) (٥/ ٣٣٥). ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (١/ ٢٣)، وابن الجوزي في «التحقيق» (١/ ٩١)، وفي إسناده عبد الله بن عبد العزيز بن أبي رواد، وهو منكر الحديث، وقد ضعف الحديث البيهقي والذهبي وابن عبد الهادي والألباني، وسيأتي كلام المؤلف عليه بعد صفحات. وينظر: «تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (١/ ١٢٠) و«السلسلة الضعيفة» للألباني (٢١٨١).
(٥) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «فينجس».
الطَّهارة، وأوجب الجزاء بأخْذِه١ من الصَّيد كالأعضاء، وألحقه بالمرأة في النِّكاح والطَّلاق حلًّا وحرمةً، فكذلك هاهنا. وبأنَّ الشَّارع له تشوُّفٌ٢ إلى إصلاح الأموال وحفظِها وصيانتها وعدمِ إضاعتها. وقد قال لهم في شاة ميمونة: «هَلَّا أخذتم إهابَها؟ فدَبغتموه فانتفعتم به»٣. ولو كان الشَّعر طاهرًا لكان إرشادهم إلى أخذه أولى؛ لأنَّه أقلُّ كلفةً، وأسهلُ تناولًا.
قال المطهِّرون للشُّعور: قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى﴾[النحل: ٨٠]، وهذا يعمُّ أحياءها وأمواتَها.
وفي «مسند أحمد»٤: عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عبَّاسٍ قال: مرَّ رسول الله ﷺ بشاةٍ لميمونةَ ميِّتةٍ، فقال: «ألَا اسْتمتعتم٥ بإهابها؟»، قالوا: وكيف وهي ميتةٌ؟ قال: «إنَّما حُرِّم لحمُها». وهذا ظاهرٌ جدًّا في إباحة ما سوى اللَّحم، والشَّحمُ والكبِد والطِّحالُ والأَلْية كلُّها داخلةٌ في اللَّحم، كما دخلت في تحريم لحم الخنزير، ولا ينتقض هذا بالعَظْم والقَرْن، والظُّفر والحافر، فإنَّ الصَّحيح طهارة ذلك كما سنقرِّره عقيبَ هذه المسألة.
قالوا: ولأنَّه لو أُخِذ حالَ الحياة لكان طاهرًا، فلم ينجس بالموت كالبيض، وعكسه الأعضاء.
(١) في المطبوع: «يأخذه» خلاف النسخ.
(٢) م، ح: «شوف» مصدر شَافَ بمعنى نظر.
(٣) أخرجه البخاري (٢٢٢١) ومسلم (٣٦٣) من حديث ابن عباس ﵄.
(٤) برقم (٣٤٥٢). وأخرجه أبو داود (٤١٢٠) والنسائي (٤٢٣٤) ابن ماجه (٣٦١٠).
(٥) في المطبوع: «هلا انتفعتم» خلاف النسخ و«المسند».