الطَّهارة، وأوجب الجزاء بأخْذِه١ من الصَّيد كالأعضاء، وألحقه بالمرأة في النِّكاح والطَّلاق حلًّا وحرمةً، فكذلك هاهنا. وبأنَّ الشَّارع له تشوُّفٌ٢ إلى إصلاح الأموال وحفظِها وصيانتها وعدمِ إضاعتها. وقد قال لهم في شاة ميمونة: «هَلَّا أخذتم إهابَها؟ فدَبغتموه فانتفعتم به»٣. ولو كان الشَّعر طاهرًا لكان إرشادهم إلى أخذه أولى؛ لأنَّه أقلُّ كلفةً، وأسهلُ تناولًا.
قال المطهِّرون للشُّعور: قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى﴾[النحل: ٨٠]، وهذا يعمُّ أحياءها وأمواتَها.
وفي «مسند أحمد»٤: عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عبَّاسٍ قال: مرَّ رسول الله ﷺ بشاةٍ لميمونةَ ميِّتةٍ، فقال: «ألَا اسْتمتعتم٥ بإهابها؟»، قالوا: وكيف وهي ميتةٌ؟ قال: «إنَّما حُرِّم لحمُها». وهذا ظاهرٌ جدًّا في إباحة ما سوى اللَّحم، والشَّحمُ والكبِد والطِّحالُ والأَلْية كلُّها داخلةٌ في اللَّحم، كما دخلت في تحريم لحم الخنزير، ولا ينتقض هذا بالعَظْم والقَرْن، والظُّفر والحافر، فإنَّ الصَّحيح طهارة ذلك كما سنقرِّره عقيبَ هذه المسألة.
قالوا: ولأنَّه لو أُخِذ حالَ الحياة لكان طاهرًا، فلم ينجس بالموت كالبيض، وعكسه الأعضاء.
(١) في المطبوع: «يأخذه» خلاف النسخ.
(٢) م، ح: «شوف» مصدر شَافَ بمعنى نظر.
(٣) أخرجه البخاري (٢٢٢١) ومسلم (٣٦٣) من حديث ابن عباس ﵄.
(٤) برقم (٣٤٥٢). وأخرجه أبو داود (٤١٢٠) والنسائي (٤٢٣٤) ابن ماجه (٣٦١٠).
(٥) في المطبوع: «هلا انتفعتم» خلاف النسخ و«المسند».
قالوا: ولأنَّه لمَّا لم ينجس بجَزِّه في حال حياة الحيوان بالإجماع، دلَّ على أنَّه ليس جزءًا من الحيوان وأنَّه لا روحَ فيه؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «ما أُبِينَ من حيٍّ فهو ميِّتٌ». رواه أهل السُّنن١.
ولأنَّه لا يتألَّم بأخذه، ولا يُحسُّ بمسِّه، وذلك دليل عدم الحياة فيه. وأمَّا النَّماء فلا يدلُّ على الحياة الحيوانيَّة الَّتي يتنجَّس الحيوان بمفارقتها، فإنَّ مجرَّد النَّماء لو دلَّ على الحياة ونَجِسَ المحلُّ بمفارقة هذه الحياة لتنجَّسَ الزَّرعُ بيُبْسِه، لمفارقة حياة النُّموِّ والاغتذاء له.
قالوا: فالحياة نوعان: حياة حسٍّ وحركةٍ، وحياة نموٍّ واغتذاءٍ، فالأولى هي الَّتي يُؤثِّر فَقْدُها في طهارة الحيِّ دون الثَّانية.
قالوا: واللَّحم إنَّما ينجس لاحتقان الرُّطوبات والفَضَلات الخبيثة فيه، والشُّعور والأصواف بريئةٌ من ذلك، ولا ينتقض بالعظام والأظفار لما سنذكره.
قالوا: والأصل في الأعيان الطَّهارة، وإنَّما يطرأ عليها التَّنجيس باستحالتها، كالرَّجيع المستحيل عن الغذاء، وكالخمر المستحيل عن العصير وأشباهها، والشُّعورُ في حال استحالتها كانت طاهرةً، ثمَّ لم يَعرِض لها ما
(١) أخرجه أحمد (٢١٩٠٣) وأبو داود (٢٨٥٨) ــ ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (١/ ٢٣) ــ والترمذي (١٤٨٠) والحاكم (٤/ ٢٣٩) من حديث أبي واقد الليثي، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب». وقد روي عن أبي سعيد وابن عمر، وأخرجه عبد الرزاق (٨٦١١) عن معمر عن زيد بن أسلم مرسلًا، واختلف في وصله وإرساله، ورجَّحَ إرساله أبو زرعة كما في «العلل» لابن أبي حاتم (١٤٧٩) والدارقطنيُّ في «العلل» (١١٥٢، ٢٢٧٣).