يوجب نجاستها بخلاف أعضاء الحيوان، فإنَّها عَرَضَ لها ما يقتضي نجاستها، وهو احتقان الفضلات الخبيثة.
قالوا: وأمَّا حديث ابن عمر، ففي إسناده عبد الله بن عبد العزيز بن أبي روَّاد. قال أبو حاتمٍ الرَّازيُّ: أحاديثه منكرةٌ، ليس محلُّه عندي الصِّدق. وقال عليُّ بن الحسين بن الجنيد: لا يساوي فلسًا، يحدِّث بأحاديث كذبٍ١.
وأمَّا حديث الشَّاة الميتة وقوله: «ألا انتفعتم بإهابها»، ولم يتعرَّض للشَّعر، فعنه ثلاثة أجوبةٍ:
أحدها: أنَّه أطلق الانتفاع بالإهاب، ولم يأمرهم بإزالة ما عليه من الشَّعر، مع أنَّه لا بدَّ فيه من شعرٍ، وهو ﷺ لم يقيِّد الإهاب المنتفَع به بوجهٍ دون وجهٍ، فدلَّ على الانتفاع به فَرْوًا وغيره ممَّا لا يخلو من الشَّعر.
الثَّاني: أنَّه ﷺ قد أرشدهم إلى الانتفاع بالشَّعر في الحديث نفسه حيث يقول: «إنَّما حُرِّم من الميتة أكلُها أو لحمُها».
الثَّالث: أنَّ الشَّعر ليس من الميتة ليتعرَّض له في الحديث؛ لأنَّه لا يَحُلُّه الموت. وتعليلهم بالتَّبعيَّة يَبطُل بجلد الميتة إذا دُبِغ وعليه شعرٌ، فإنَّه يطهر دون الشَّعر عندهم. وتمسُّكهم بغسله في الطَّهارة يبطل بالجبيرة، وتمسُّكهم بضمانه من الصَّيد يبطل بالبيض وبالحمل. وأمَّا في النِّكاح فإنَّه تبع الجملة لاتِّصاله بها، وزالَ حكمه٢ بانفصاله عنها، وهاهنا لو فارق الجملة بعد تَبَعِها في التنجيس٣ لم يفارقها فيه عندهم، فعُلِم الفرق.
(١) انظر: «لسان الميزان» (٤/ ٥١٦).
(٢) في المطبوع: «وزوال الجملة».
(٣) في المطبوع: «التنجس» خلاف النسخ.
فصل
فإن قيل: فهل يدخل في تحريم بيعها تحريمُ بيع عظمها وقرنها وجلدها بعد الدِّباغ، لشمول اسم الميتة لذلك؟
قيل: الذي يحرم بيعُه منها هو الذي يحرم أكلُه واستعماله، كما أشار إليه ﷺ بقوله: «إنَّ الله إذا حَرَّم شيئًا حَرَّم ثمنَه»١. وفي اللَّفظ الآخر: «إذا حرَّم أكلَ شيءٍ حرَّم ثمنَه»٢. فنبَّه على أنَّ الذي يحرم بيعُه يحرم أكلُه.
وأمَّا الجلد إذا دُبِغ فقد صار عينًا طاهرةً، يُنتفَع بها٣ في اللُّبس والفرش وسائر وجوه الاستعمال، فلا يمتنع جواز بيعه. وقد نصَّ الشَّافعيُّ في كتابه القديم على أنَّه لا يجوز بيعه٤، واختلف أصحابه، فقال القفّال: لا يتَّجه هذا إلا بتقدير قولٍ يوافق مالكًا في أنَّه يطهر ظاهره دون باطنه، وقال بعضهم: لا يجوز بيعُه وإن طهر ظاهره وباطنه على قوله الجديد؛ فإنَّه جزءٌ من الميتة حقيقةً، فلا يجوز بيعه كعظمها ولحمها.
وقال بعضهم: بل يجوز بيعه بعد الدَّبغ؛ لأنَّه عينٌ طاهرةٌ مُنتفَعٌ بها، فجاز
(١) هو حديث ابن عباس ﵄، وقد تقدم تخريجه (ص ٤٢٠)، وهذا لفظ ابن حبان (٤٩٣٨) والدارقطني (٣/ ٣٨٨).
(٢) هو حديث ابن عباس ﵄ المتقدم، وهذا لفظ أحمد (٢٦٧٨) والطبراني في «الكبير» (١٢/ ٢٠٠).