والثَّاني: يجوز بيعه لكافرٍ يعلم نجاسته، وهو المنصوص عنه. قلت: والمراد بعلم النَّجاسة العلمُ بالسَّبب المنجِّس، لا اعتقاد [الكافر]١ في نجاسته.
والثَّالث: يجوز بيعه لمسلمٍ وكافرٍ. وخُرِّج هذا الوجه من جواز إيقاده، وخرِّج أيضًا من طهارته بالغسل، فيكون كالثَّوب النَّجس. وخرَّج بعض أصحابه وجهًا ببيع السِّرقين النَّجس للوقيد من بيع الزَّيت النَّجس له، وهو تخريجٌ صحيحٌ.
وأمَّا أصحاب أبي حنيفة٢ فجوَّزوا بيع السِّرجين النَّجس إذا كان تبعًا لغيره، ومنعوه إذا كان مفردًا.
فصل
وأمَّا عظمها، فمن لم يُنجِّسه بالموت ــ كأبي حنيفة، وبعض أصحاب أحمد، واختيار ابن وهب من أصحاب مالك ــ فيجوز بيعه عندهم، وإن اختلَف مأخذُ الطَّهارة:
فأصحاب أبي حنيفة قالوا: لا يدخل في الميتة، ولا يتناوله اسمها، ومنعوا كونَ الألم دليلَ حياته. قالوا: وإنَّما يألمه ما٣ جاوره من اللَّحم لا ذات العظم، وحملوا قوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾[يس: ٧٨] على حذف مضافٍ، أي أصحابها.
(١) هنا بياض في النسخ.
(٢) انظر: «بدائع الصنائع» (٥/ ١٤٤).
(٣) في المطبوع: «تؤلمه لما» خلاف النسخ.
وغيرهم ضعَّف هذا المأخذ جدًّا، وقال: العظم يَألَم حسًّا، وألمُه أشدُّ من ألم اللَّحم. ولا يصحُّ حمل الآية على حذف مضافٍ لوجهين، أحدهما: أنَّه تقدير ما لا دليل عليه، فلا سبيل إليه. الثَّاني: أنَّ هذا التَّقدير يستلزم الإضرابَ عن جواب سؤال السَّائل الذي استشكل حياة العظام، فإنَّ أُبيّ بن خَلَف أخذ عظمًا باليًا، ثمَّ جاء به إلى النَّبيِّ ﷺ، ففتَّه في يده، وقال: يا محمَّد! أترى الله يُحِيي هذا بعدما رَمَّ؟ فقال رسول الله ﷺ: «نعم، ويَبعثك، ويُدخِلك النَّار»١. فمأخذ الطَّهارة أنَّ سبب تنجيس الميتة منتفٍ في العظام، فلم يحكم بنجاستها.
ولا يصحُّ قياسها على اللَّحم؛ لأنَّ احتقان الرُّطوبات والفَضَلات الخبيثة يختصُّ به دون العظام، كما أنَّ ما لا نفسَ له سائلةً لا ينجس٢ بالموت وهو حيوانٌ كاملٌ، لعدم سبب التَّنجيس٣ فيه، فالعظم أولى.
وهذا المأخذ أصحُّ وأقوى من الأوَّل، وعلى هذا فيجوز بيع عظام الميتة إذا كانت من حيوانٍ طاهر العين.
(١) أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» عن قتادة (٢٤٩٨) ومن طريقه ابن جرير في «تفسيره» (١٩/ ٤٨٦)، وعن الزهري (١٠٠١) ومن طريقه ابن جرير في «تفسيره» (١١/ ٨٧) مرسلًا، وأخرجه ابن جرير في «تفسيره» (١٩/ ٤٨٦) عن مجاهد مختصرًا مرسلًا أيضًا، وأخرجه الواحدي في «أسباب النزول» (٣٦٥) عن أبي مالك غزوان الغفاري مرسلًا أيضًا، وهذه مراسيل يتقوى بمجموعها الخبر، وينظر: «صحيح السيرة النبوية» للألباني (٢٠١).
(٢) م، ح: «لا يتنجس».
(٣) في النسخ: «السمين» أو قريب من رسمه. والمثبت يقتضيه السياق.