زاد المعاد

كلِّ ما عداها، فإنَّ مفسدة بيعها بحسب مفسدتها في نفسها، والنَّبيُّ ﷺ لم يؤخِّر ذكرها لخفَّة أمرها، ولكنَّه تدرَّج من الأسهل إلى ما هو أغلظ منه، فإنَّ الخمر أحسن حالًا من الميتة، فإنَّها قد تصير مالًا محترمًا إذا قَلَبها الله سبحانه ابتداءً١، أو قَلَبها آدميٌّ بصنعته عند طائفةٍ من العلماء، وتُضْمَن إذا أُتلِفت على الذِّمِّيِّ عند طائفةٍ بخلاف الميتة. وإنَّما لم يجعل الله في أكل الميتة حدًّا اكتفاءً بالزَّاجر الذي جعله الله في الطِّباع من كراهتها، والنَّفرة عنها، وإبعادها عنها، بخلاف الخمر.

والخنزير أشدُّ تحريمًا من الميتة، ولهذا أفرده الله سبحانه بالحكم عليه بأنّه رِجْسٌ في قوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فالضَّمير في قوله «فإنَّه» وإن كان عوده إلى الثَّلاثة المذكورة باعتبار لفظ المحرَّم، فإنَّه يترجَّح اختصاص لحم الخنزير به لثلاثة أوجهٍ، أحدها: قربه منه، والثَّاني: تذكيره دون قوله «فإنَّها رجسٌ»، والثَّالث: أنَّه أتى بالفاء و«إنَّ» تنبيهًا على علَّة التَّحريم لتنزجر النُّفوسُ عنه، ويقابل هذه العلَّة ما في طباع بعض النَّاس من استلذاذه واستطابته، فنفى عنه ذلك، وأخبر أنَّه رجسٌ. وهذا لا يُحتَاج إليه في الميتة والدَّم، لأنَّ كونهما رِجْسًا أمرٌ مستقرٌّ معلومٌ عندهم. ولهذا في القرآن نظائر، فتأمَّلْها.

ثمَّ ذكر بعدُ تحريمَ بيع الأصنام، وهو أعظم تحريمًا وإثمًا وأشدُّ منافاةً للإسلام من بيع الخمر والميتة والخنزير.

  1. (١) بعدها في المطبوع زيادة «خلًّا». وليست في النسخ.
439

فصل

وفي قوله: «إنَّ الله إذا حرَّم شيئًا أو حرَّم أكلَ شيءٍ حرَّم ثمنَه»، يراد به أمران:

أحدهما: ما هو حرام العين والانتفاع جملةً، كالخمر والميتة والدَّم والخنزير وآلات الشِّرك، فهذه ثمنُها حرامٌ كيفما أُبِيعَتْ١.

والثَّاني: ما يباح الانتفاع به في غير الأكل، وإنَّما يحرم أكله، كجلد الميتة بعد الدِّباغ، وكالحُمُر الأهليَّة، والبغال ونحوها ممَّا يحرم أكله دون الانتفاع به، فهذا قد يقال: إنَّه لا يدخل في الحديث، وإنَّما يدخل فيه ما هو حرامٌ على الإطلاق. وقد يقال: إنَّه داخلٌ فيه، ويكون تحريم ثمنه إذا أُبِيعَ٢ لأجل المنفعة الَّتي حرمت منه، فإذا بِيع البغل والحمار لأكلهما حَرُمَ ثمنُهما، بخلاف ما إذا أُبِيعا للرُّكوب وغيره، وإذا بيع جلد الميتة للانتفاع به حلَّ ثمنه، وإذا بيع لأكله حرم ثمنه.

وطَرْدُ هذا ما قاله جمهور الفقهاء كأحمد ومالك وأتباعهما: إنَّه إذا بيع العنب لمن يعصره خمرًا حرم أكلُ ثمنه، بخلاف ما إذا بيع لمن يأكله. وكذلك السِّلاح إذا بيع لمن يقاتل به مسلمًا حرم أكلُ ثمنه، وإذا بيع لمن يغزو به في سبيل اللَّه فثمنُه من الطَّيِّبات. وكذلك ثياب الحرير إذا بيعت لمن يلبسها ممَّن تحرُم عليه حرم أكلُ ثمنها، بخلاف بيعها ممَّن يحلُّ له لبسها.

فإن قيل: فهل تُجوِّزون للمسلم بيعَ الخمر والخنزير من الذِّمِّيِّ لاعتقاد

  1. (١) في المطبوع: «اتفقت» خلاف النسخ. وأباعَ الشيءَ: عرضَه للبيع.
  2. (٢) كذا في النسخ، وفي المطبوع: «بيع».
440

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي