زاد المعاد

والممنوع شرعًا، وما تنوَّعت منافعه إلى محلَّلةٍ ومحرَّمةٍ، فإن كان المقصود من العين خاصَّةً كان الاعتبار بها، والحكم تابعٌ لها، فاعتُبِر نوعها، وصار الآخر كالمعدوم. وإن توزَّعتْ في النَّوعين لم يصحَّ البيع؛ لأنَّ ما يقابل ما حرم منها أكْلُ مالٍ بالباطل، وما سواه من بقيَّة الثَّمن يصير مجهولًا.

قال١: وعلى هذا الأصل مسألة بيع كلب الصَّيد، فإذا بُنِي الخلاف فيها على هذا الأصل قيل: في الكلب من المنافع كذا وكذا، وعُدِّدت جملة منافعه، ثمَّ نُظِر فيها، فمن رأى أنَّ جملتها محرَّمةٌ مَنَع، ومن رأى جميعها محلَّلةً أجاز، ومن رآها متنوِّعةً نَظَر: هل المقصود المحلَّل أو المحرَّم، فجعل الحكم للمقصود، ومن رأى منفعةً واحدةً منها محرَّمةً وهي مقصودةٌ مَنَع أيضًا، ومن التبسَ عليه كونُها مقصودةً وَقَفَ أو كره.

فتأمَّلْ هذا التَّأصيل والتَّفصيل، وطابِقْ بينهما يظهَرْ لك ما فيهما من التَّناقض والخلل، وأنَّ بناء بيع كلب الصَّيد على هذا الأصل من أفسد البناء، فإنَّ قوله: «من رأى أنَّ جملة منافع كلب الصَّيد محرَّمةٌ بعد تعديدها٢ لم يُجِز بيعه»، فإنَّ هذا لم يقلْه أحدٌ من النَّاس قطُّ، وقد اتَّفقت الأمَّة على إباحة منافع كلب الصَّيد من الاصطياد والحراسة، وهما جُلُّ منافعه، ولا يُقتنى إلا لذلك، فمن الذي رأى منافعه كلَّها محرَّمةٌ؟ ولا يصحُّ أن تُراد منافعه الشَّرعيَّة، فإنَّ إعارته جائزةٌ.

وقوله: «من رأى جميعها محلَّلةً أجاز»، كلامٌ فاسدٌ أيضًا، فإنَّ منافعه

  1. (١) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «فصلًا». والكلام لابن شاس في المصدر السابق (٣/ ٣٣٧).
  2. (٢) د: «تعديد هذا».
446

المذكورة محلَّلةٌ اتِّفاقًا، والجمهور على عدم جواز بيعه.

وقوله: «ومن رآها متنوِّعةً نَظر: هل المقصود المحلَّل أو١ المحرَّم؟» كلامٌ لا فائدة تحته البتَّة، فإنَّ منفعة كلب الصَّيد هي الاصطياد دون الحراسة، فأين التَّنوُّع؟ وما يُقدَّر في المنافع من التَّحريم يُقدَّر مثله في الحمار والبغل.

وقوله: «ومن رأى منفعةً واحدةً محرَّمةً وهي مقصودةٌ مَنَع»، أظهرُ فسادًا ممَّا قبله، فإنَّ هذه المنفعة المحرَّمة ليست هي المقصودة من كلب الصَّيد، وإن قُدِّر أنَّ مشتريه قصدَها، فهو كما لو قصد منفعةً محرَّمةً من سائر ما يجوز بيعه. وتبيَّنَ فسادُ هذا التَّأصيل، وأنَّ الأصل الصَّحيح هو الذي دلَّ عليه النَّصُّ الصَّريح الذي لا معارِضَ له البتَّة من تحريم بيعه.

فإن قيل: كلب الصَّيد مستثنًى من النَّوع الذي نهى عنه رسول الله ﷺ، بدليل ما رواه الترمذي٢ من حديث جابر أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن ثمن الكلب، إلّا كلبَ الصَّيد.

  1. (١) ص، د، م: «و».
  2. (٢) برقم (١٢٨١). لكنه من حديث أبي هريرة لا جابر، وفي إسناده أبو المهزم، وهو ضعيف، وقال الترمذي عقبه: «هذا حديث لا يصح من هذا الوجه».
447

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي