زاد المعاد

صلاته كلَّها بعد ذلك اليوم كانت تخفيفًا١. هذا ما لا يدل عليه اللفظ، ولو كان هو المراد لم يخفَ على خلفائه الراشدين، فيتمسَّكون بالمنسوخ ويدَعُون الناسخ.

وأما قوله ﷺ: «أيُّكم أمَّ الناسَ فَلْيخفِّفْ»٢، وقول أنس: «كان رسول الله ﷺ أخفَّ الناس صلاةً في تمامٍ»٣، فالتخفيف أمر نِسْبيٌّ يرجع إلى ما فعله النبي ﷺ وواظب عليه، لا إلى شهوة المأمومين، فإنه ﷺ لم يكن يأمرهم بأمرٍ ثم يخالفه. وقد عَلِم أن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة، فالذي فعله هو التخفيف الذي أمر به. فإنه كان يمكن أن تكون صلاته أطول من تلك٤ بأضعاف مضاعفة، فهي خفيفة بالنسبة إلى أطول منها. وهديه الذي كان يواظب عليه هو الحاكم في كلِّ ما تنازع فيه المتنازعون. ويدل عليه ما رواه النسائي٥ وغيره عن ابن عمر قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالتخفيف، ويؤمُّنا بـ (الصَّافَّات)». فالقراءة بـ (الصَّافَّات) من التخفيف الذي كان يأمر به. والله أعلم.

  1. (١) وانظر نحو هذا الكلام في «كتاب الصلاة» (ص ٣٠٠ - ٣٠١) و«تهذيب السنن» (١/ ٢٣٢).
  2. (٢) أخرجه بهذا اللفظ الحميدي في «مسنده» (٤٥٣) من حديث أبي مسعود البدري، وهو في البخاري (٩٠) بنحوه. وبنحوه أخرجه أيضًا البخاري (٧٠٣) ومسلم (٤٦٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
  3. (٣) أخرجه مسلم (٤٦٩)، وبنحوه أخرجه البخاري (٧٠٨).
  4. (٤) ق، م، مب، ن: «ذلك».
  5. (٥) في «المجتبى» (٨٢٦) و«الكبرى» (٩٠٢، ١١٣٦٨) وقد سبق تخريجه (ص ٢٣٥).
241

فصل

وكان ﷺ لا يعين في الصلوات سورةً بعينها لا يقرأ إلا بها، إلا في الجمعة والعيدين. وأما في سائر الصلوات فقد ذكر أبو داود١ من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه أنه قال: ما من المفصَّل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا قد سمعتُ رسولَ الله ﷺ يؤمُّ الناسَ بها في الصلاة المكتوبة.

وكان من هديه قراءة السورة كاملةً. وربما قرأها في ركعتين، وربما قرأ أول السورة. وأما قراءة أواخر السور وأوساطها فلم يُحفَظ عنه. وأما قراءة السورتين في ركعة، فكان يفعله في النافلة، وأما في الفرض فلم يُحفَظ عنه.

وأما حديث ابن مسعود: إني لأعرف النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرُن٢ بينهن: السورتين في ركعة، (الرحمن) و(النجم) في ركعة، و(اقتربت) و(الحاقة)٣ في ركعة، و(الطور) و(الذاريات) في ركعة، و(إذا وقعت) و(ن) في ركعة٤... الحديث، فهذا حكايةُ فعلٍ لم يعيَّن محلُّه، هل

  1. (١) برقم (٨١٤)، وأخرجه البيهقي (٢/ ٣٨٨)، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، إسناده حسن مع أن فيه عنعنة محمد بن إسحاق. وله شاهد عند الطبراني (١٢/ ٣٦٥) من حديث عبد الله بن عمر، فيه إسماعيل بن عياش وقد روى عن غير بلديِّه.
  2. (٢) ق، م: «كان يقرن»، تكرَّرت «كان» سهوًا.
  3. (٣) من هنا وقع خرم طويل في م.
  4. (٤) أخرجه البخاري (٧٧٥) ومسلم (٨٢٢) من طرق عن أبي وائل عن ابن مسعود به، مجملًا مع ذكر بعضها. وقد جاء هكذا مفسرًا عند أبي داود (١٣٩٦) بإسناد صحيح عن علقمة والأسود كليهما عن ابن مسعود به، وتتمته: «و(سأل سائل، والنازعات) في ركعة، و(ويل للمطففين، وعبس) في ركعة، و(المدثر، والمزمل) في ركعة، و(هل أتى، ولا أقسم بيوم القيامة) في ركعة، و(عم يتساءلون، والمرسلات) في ركعة، و(الدخان، وإذا الشمس كورت) في ركعة».
242

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي