زاد المعاد

قلت: وممَّا يدلُّ على بطلان حديث جابر هذا وأنَّه خُلِّط عليه: أنَّه صحَّ عنه أنَّه قال: أربعٌ من السُّحْت: ضِراب الفَحْل، وثمن الكلب، ومَهْر البغيِّ، وكَسْب الحجَّام١. وهذا علَّةٌ أيضًا للموقوف عليه من استثناء كلب الصَّيد، فهو علَّةٌ للموقوف والمرفوع.

وأمَّا حديث المثنَّى بن الصباح عن عطاء عن أبي هريرة فباطلٌ؛ لأنَّ فيه يحيى بن أيوب، وقد شهد مالك عليه بالكذب، وجرَّحه الإمام أحمد. وفيه المثنى بن الصباح، وضعفُه عندهم مشهورٌ. ويدلُّ على بطلان الحديث ما رواه النَّسائيُّ٢: ثنا الحسن بن أحمد بن شبيب٣، حدَّثنا محمَّد بن عبد الله بن بهز٤، ثنا أسباط، ثنا الأعمش، عن عطاء بن أبي رباحٍ، قال: قال أبو هريرة: أربعٌ من السُّحْت: ضِراب الفحل، وثمن الكلب، ومَهْر البغيِّ، وكَسْب الحجَّام.

  1. (١) لم أقف عليه، وإنما هو عن أبي هريرة كما سيأتي تخريجه، ولعل المصنف تبع فيه ابن حزم في «المحلى» (٩/ ١٠)، فإنه خرج الأثر من طريق النسائي عن أبي هريرة ثم قال: «ورويناه عن جابر أيضًا»، ولم يسنده.
  2. (٢) في «السنن الكبرى» (٤٦٧٧). واختلف عن عطاء في رفعه ووقفه، فأخرجه ابن أبي شيبة (٢٣٠٩١) وابن المنذر في «الأوسط» (١١/ ٢٠٤) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة موقوفًا، وأخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (٤٦٧٨) عن ابن جريج، وابن حبان (٤٩٤١) عن قيس بن سعد، كلاهما (ابن جريج وقيس) عن عطاء به مرفوعًا، والأشبه رفعه، لأن قيسًا وابن جريج من أثبت الناس في عطاء.
  3. (٣) كذا في النسخ، والصواب: «حبيب» كما في مصدر التخريج.
  4. (٤) كذا في جميع النسخ، والصواب: «نمير».
451

وأمَّا الأثر عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق، فلا ندري من أخبر ابن وهب عن ابن شهابٍ، ولا من أخبر ابنَ شهابٍ عن الصِّدِّيق، ومثل هذا لا يُحتجُّ به.

وأمَّا الأثر عن علي، ففيه ابن ضمرة١ في غاية الضَّعف.

ومثلُ هذه الآثار السَّاقطة المعلولة لا تُقدَّم على الآثار الَّتي رواها الأئمَّة الثِّقات الأثبات، حتَّى قال بعض الحفَّاظ: إنَّ نقْلها نقلُ تواترٍ، وقد ظهر أنَّه لم يصحَّ عن صحابيٍّ خلافُها البتَّة، بل هذا جابر وأبو هريرة وابن عبَّاسٍ يقولون: ثمن الكلب خبيثٌ.

قال وكيعٌ٢: ثنا إسرائيل، عن عبد الكريم، عن قيس بن حَبْتَر٣، عن ابن عبَّاسٍ رفعَه: «ثمنُ الكلب، ومَهْر البغيِّ، وثمنُ الخمر حرامٌ».

وهذا أقلُّ ما فيه أن يكون قول ابن عبَّاسٍ.

وأمَّا قياس الكلب على البغل والحمار فمن أفسدِ القياس، بل قياسه على الخنزير أصحُّ من قياسه عليهما؛ لأنَّ الشَّبّه الذي بينه وبين الخنزير أقربُ من الشَّبَه الذي بينه وبين البغل والحمار، ولو تعارض القياسان لكان القياس المؤيَّد بالنَّصِّ الموافق له أصحَّ وأولى من القياس المخالف له.

فإن قيل: كان النَّهي عن ثمنها حين كان الأمر بقتلها، فلمَّا حُرِّم قتلُها

  1. (١) كذا في النسخ، والصواب: «ضميرة» كما سبق التنبيه عليه.
  2. (٢) أخرجه من طريقه ابن أبي شيبة (٢١٣٠٧، ٣٧٣٨٧) وأحمد (٢٠٩٤) والضياء المقدسي في «المختارة» (١٣/ ٤٠)، وقد تقدم تخريجه عن ابن عباس.
  3. (٣) ص، د، ز: «جبير»، تصحيف.
452

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي