زاد المعاد

فمن أوجب المهر قال: إنَّ استيفاء هذه المنفعة جُعِل مُقوَّمًا في الشَّرع بالمهر، وإنَّما لم يجب للمختارة؛ لأنَّها باذلةٌ للمنفعة الَّتي عوضها لها، فلم يجب لها شيءٌ، كما لو أذنت في إتلاف عضوٍ من أعضائها لمن أتلفه.

ومن لم يوجبه قال: الشَّارع إنَّما جعل هذه المنفعة متقوِّمًا١ بالمهر في عقدٍ أو شبهة عقدٍ، ولم يُقوِّمها بالمهر في الزِّنا البتَّة، وقياس السِّفاح على النِّكاح من أفسد القياس.

قالوا: وإنَّما جَعلَ الشَّارع في مقابلة هذا الاستمتاع الحدَّ والعقوبةَ، فلا يجمع بينه وبين ضمان المهر.

قالوا: والوجوب إنَّما يُتلقَّى من الشَّارع من نصِّ خطابه، أو عمومه، أو فَحْواه، أو تنبيهه، أو معنى نصِّه، وليس شيءٌ من ذلك ثابتًا متحقِّقًا عنه. وغاية ما يُدَّعى قياسُ السِّفاح على النِّكاح، ويا بُعْدَ ما بينهما!

قالوا: والمهر إنَّما هو من خصائص النِّكاح لفظًا ومعنًى، ولهذا إنَّما يضاف إليه فيقال: مهر النِّكاح، ولا يضاف إلى الزِّنا، فلا يقال: مهر الزِّنا، وإنَّما أطلق النَّبيُّ ﷺ المهر بالعقد٢، كما قال: «إنَّ الله حرَّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام»٣. وكما قال: «من باع حرًّا وأكلَ ثمنَه»٤. ونظائره كثيرةٌ.

  1. (١) ص، د، ح: «متقدمًا». والتصحيح من هامش م.
  2. (٢) في النسخ: «بالنقد». والمثبت يقتضيه السياق.
  3. (٣) أخرجه البخاري (٢٢٣٦) ومسلم (١٥٨١) من حديث جابر ﵁ وقد تقدم (ص ٤١٩).
  4. (٤) أخرجه البخاري (٢٢٧٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
456

والأوَّلون يقولون: الأصل في هذه المنفعة أن تُقوَّم بالمهر، وإنَّما أسقطه الشَّارع في حقِّ البغيِّ، وهي الَّتي تزني باختيارها، وأمَّا المُكرَهة على الزِّنا فليست بغيًّا، فلا يجوز إسقاطُ بدلِ منفعتها الَّتي أُكرِهت على استيفائها، كما لو أكره الحرُّ على استيفاء منافعه، فإنَّه يلزمه عِوضُها، وعِوضُ هذه المنفعة شرعًا هو المهر.

فهذا مأخذ القولين.

ومن فرَّق بين البكر والثَّيِّب رأى أنَّ الواطئ لم يُذهِب على الثَّيِّب شيئًا، وحَسْبُه العقوبة الَّتي رُتَّبتْ على فعله، وهذه المعصية لا يقابلها شرعًا مالٌ يلزم من أقدر١ عليها، بخلاف البكر فإنَّه أزال بكارتها، فلا بدَّ من ضمان ما أزالَه، فكانت هذه الجناية مضمونةً عليه في الجملة، فضَمِن ما أتلفه من جزء منفعةٍ، وكانت المنفعة تابعةً للجزء في الضَّمان، كما كانت تابعةً له في عدمه في البِكر المطاوعة.

ومن فرَّق بين ذوات المحارم وغيرهنَّ، رأى أنَّ تحريمهنَّ لمَّا كان تحريمًا مستقرًّا، وأنَّهنَّ غير محلِّ الوطء شرعًا، كان استيفاء هذه المنفعة منهنَّ بمنزلة التَّلوُّط، فلا يوجب مهرًا. وهذا قول الشَّعبيِّ، وهذا بخلاف تحريم المصاهرة، فإنَّه عارضٌ يمكن زواله.

قال صاحب «المغني»٢: وهكذا ينبغي أن يكون الحكم فيمن حرمت بالرَّضاع؛ لأنَّه طارٍ٣ أيضًا.

  1. (١) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «أقدم».
  2. (٢) (١٠/ ١٨٧).
  3. (٣) كذا في النسخ، والمقصود: «طارئ»، وهو مهموز وليس معتلًّا.
457

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي