زاد المعاد

والأوَّلون يقولون: الأصل في هذه المنفعة أن تُقوَّم بالمهر، وإنَّما أسقطه الشَّارع في حقِّ البغيِّ، وهي الَّتي تزني باختيارها، وأمَّا المُكرَهة على الزِّنا فليست بغيًّا، فلا يجوز إسقاطُ بدلِ منفعتها الَّتي أُكرِهت على استيفائها، كما لو أكره الحرُّ على استيفاء منافعه، فإنَّه يلزمه عِوضُها، وعِوضُ هذه المنفعة شرعًا هو المهر.

فهذا مأخذ القولين.

ومن فرَّق بين البكر والثَّيِّب رأى أنَّ الواطئ لم يُذهِب على الثَّيِّب شيئًا، وحَسْبُه العقوبة الَّتي رُتَّبتْ على فعله، وهذه المعصية لا يقابلها شرعًا مالٌ يلزم من أقدر١ عليها، بخلاف البكر فإنَّه أزال بكارتها، فلا بدَّ من ضمان ما أزالَه، فكانت هذه الجناية مضمونةً عليه في الجملة، فضَمِن ما أتلفه من جزء منفعةٍ، وكانت المنفعة تابعةً للجزء في الضَّمان، كما كانت تابعةً له في عدمه في البِكر المطاوعة.

ومن فرَّق بين ذوات المحارم وغيرهنَّ، رأى أنَّ تحريمهنَّ لمَّا كان تحريمًا مستقرًّا، وأنَّهنَّ غير محلِّ الوطء شرعًا، كان استيفاء هذه المنفعة منهنَّ بمنزلة التَّلوُّط، فلا يوجب مهرًا. وهذا قول الشَّعبيِّ، وهذا بخلاف تحريم المصاهرة، فإنَّه عارضٌ يمكن زواله.

قال صاحب «المغني»٢: وهكذا ينبغي أن يكون الحكم فيمن حرمت بالرَّضاع؛ لأنَّه طارٍ٣ أيضًا.

  1. (١) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «أقدم».
  2. (٢) (١٠/ ١٨٧).
  3. (٣) كذا في النسخ، والمقصود: «طارئ»، وهو مهموز وليس معتلًّا.
457

ومن فرَّق في ذوات المحارم بين من تحرم ابنتها ومن لا تحرم، فكأنَّه رأى أنَّ من لا تحرم ابنتها تحريمها١ أخفُّ من تحريم الأخرى، فأشبَه العارضَ.

فإن قيل: فما حكم المُكْرَهة على الوطء في دُبرها، أو الأمة المطاوعة على ذلك؟

قيل: هو أولى بعدم الوجوب، فهذا كاللِّواط لا يجب به٢ المهر اتِّفاقًا.

وقد اختلف في هذه المسألة الشَّيخان: أبو البركات ابن تيميَّة، وأبو محمد ابن قدامة:

فقال أبو البركات في «محرَّره»٣: ويجب مهر المثل للموطوءة بشبهةٍ، والمكرهة على الزِّنا في قُبُلٍ أو دُبُرٍ.

وقال أبو محمد في «المغني»٤: ولا يجب المهر بالوطء في الدُّبر ولا اللِّواط؛ لأنَّ الشَّرع لم يَرِد ببدله، ولا هو إتلافٌ لشيءٍ، فأشبهَ القبلةَ والوطء دون الفرج.

وهذا القول هو الصَّواب قطعًا، فإنَّ هذا الفعل لم يجعل له الشَّارع قيمةً أصلًا، ولا قدَّر له مهرًا بوجهٍ من الوجوه، وقياسه على وطء الفرج من أفسد القياس، ولازم من قاله إيجاب المهر لمن فعلت به اللُّوطيَّة من الذُّكور،

  1. (١) ص، د، ز: «تحريمًا»، خطأ.
  2. (٢) في المطبوع: «فيه» خلاف النسخ.
  3. (٣) (٢/ ٣٩).
  4. (٤) (١٠/ ١٨٧).
458

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي